رسوم ترامب الجمركية.. ما تأثيرها على الاقتصاد الفرنسي؟
آخر تحديث: الخميس 3 أبريل 2025 - 1:03 م بتوقيت القاهرة
هايدي صبري
تعد فرنسا أقل عرضة من جيرانها الإيطاليين والألمان، لكن الرسوم الجمركية الجديدة التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمس الأربعاء، قد تؤثر بشدة على بعض القطاعات الاستراتيجية، مثل الطيران، والمشروبات الروحية، والمنتجات الفاخرة، في ظل سياق اقتصادي صعب بالفعل.
إعادة التصنيع الأمريكي على حساب الشركاء التجاريين
ووعد دونالد ترامب، بإعادة تصنيع بلاده ودفعها نحو "عصر ذهبي جديد"، وفي 2 أبريل كشف عن رسوم جمركية جديدة تهدف إلى "إعادة التوازن" إلى التجارة بين الولايات المتحدة وشركائها.
وينص المرسوم الجديد على فرض رسوم جمركية مرتفعة، بحد أدنى 10% على جميع الواردات، و20% على المنتجات القادمة من الاتحاد الأوروبي.
وتندرج هذه الخطوة ضمن أجندة "أمريكا أولًا"، تهدف إلى تقليص العجز التجاري الأمريكي، الذي بلغ قرابة 1000 مليار دولار في عام 2024، بالإضافة إلى مواجهة الدين العام الهائل للبلاد، الذي سجل رقمًا قياسيًا في يناير بلغ 36 ألف مليار دولار، أي أكثر من 100% من الناتج المحلي الإجمالي، ومع ذلك، فإن هذه السياسة قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار واضطرابات كبيرة في سلاسل التوريد، ما قد يكون له تأثير مدمر على الاقتصاد العالمي.
الاتحاد الأوروبي في مرمى الاستهداف
يستهدف ترامب بهذه الرسوم الجمركية مجموعة من 15 دولة وصفها بأنها "المذنبين الرئيسيين" في العجز التجاري الأمريكي. وعلى الرغم من أن فرنسا لا تُدرج ضمن هذه القائمة، نظرًا لتوازنها التجاري النسبي مع الولايات المتحدة، إلا أنها تتأثر مباشرة بهذه التدابير، حيث يحتل الاتحاد الأوروبي المرتبة الثانية في قائمة المستهدفين، بعد الصين.
في مواجهة تهديدات ترامب، أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن دعمه لفرض رسوم جمركية انتقامية على مستوى الاتحاد الأوروبي لحماية المصالح الاقتصادية للقارة.
القطاعات الاستراتيجية بفرنسا في خطر
وذكرت قناة "فرانس 24" في تقرير لها بنسختها الفرنسية، أن منطقة اليورو تُعدّ الشريك التجاري الأول للولايات المتحدة، حيث تستحوذ على 18% من إجمالي تجارتها، وتتركز أكثر من 50% من الصادرات الأوروبية إلى الولايات المتحدة في ثلاث دول: ألمانيا، إيطاليا، وأيرلندا.
ونقلت المحطة الفرنسية عن ماكسيم دارميه، الخبير الاقتصادي في مجموعة Allianz Trade، قوله إن "فرنسا لم تكن متأثرة بشكل كبير بالرسوم الجمركية السابقة التي فرضها ترامب على الصلب والألمنيوم والسيارات، على عكس ألمانيا وإيطاليا اللتين تصدران كميات كبيرة من المركبات".
كما أشار إلى أن السوق الأمريكية لا تمثل سوى 8% من إجمالي الصادرات الفرنسية، مما يجعل فرنسا أقل تأثرًا مقارنة بجيرانها الأوروبيين.
تهديد لصناعات الطيران والمشروبات الروحية والمنتجات الفاخرة
وتعتمد فرنسا بشكل كبير على سوق الاتحاد الأوروبي، حيث تمثل حوالي 60% من صادراتها، ومع ذلك، فإن بعض القطاعات الاستراتيجية قد تتعرض لضربة قوية من الرسوم الجمركية الجديدة، لا سيما في مجالات الطيران، المشروبات الروحية، والمنتجات الفاخرة، والتي تعد من أبرز الصادرات الفرنسية إلى الولايات المتحدة.
وفي منتصف مارس، هدد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 200% على الشمبانيا والنبيذ الأوروبي، ردًا على مقترح الاتحاد الأوروبي فرض ضرائب على الويسكي الأمريكي، وأثار هذا التهديد مخاوف كبيرة داخل قطاع النبيذ الفرنسي، حيث تعد الولايات المتحدة أكبر مستورد له.
من جهتها، تستعد صناعة المشروبات الروحية الفرنسية لخسائر محتملة تصل إلى 800 مليون يورو في الصادرات، وفقًا لبيان صادر يوم الأربعاء، وكذلك، فإن قطاع المنتجات الفاخرة، خاصة LVMH (الشركة الأم للعلامات التجارية مثل Louis Vuitton، Dior، Guerlain، وVeuve Clicquot)، قد يتضرر بشدة، حيث يتم توجيه ربع صادراته إلى السوق الأمريكية.
أما في قطاع الطيران، الذي يُعد الأول من حيث الصادرات الفرنسية إلى الولايات المتحدة، فقد بلغت قيمة الصادرات 9 مليارات يورو عام 2024.
وفي هذا السياق، أعلنت شركة Airbus، التي يقع مقرها الرئيسي في مدينة بلانياك بجنوب فرنسا، أنها تقوم حاليًا بتقييم التأثير المحتمل للإجراءات الأمريكية الجديدة، وعلى الرغم من امتلاكها خط تجميع داخل الولايات المتحدة، وخططها لافتتاح مصنع جديد في 2025 بمنطقة خليج المكسيك، فقد لا يكون ذلك كافيًا لحمايتها من العواقب الاقتصادية.
خطر الركود الاقتصادي
وتأتي هذه الحرب التجارية في ظل مناخ اقتصادي غير مستقر في منطقة اليورو، ورغم أن فرنسا تمكنت حتى الآن من تجنب الركود الذي أصاب ألمانيا، وحافظت على نمو طفيف بلغ 1.1% مقارنة بمتوسط 0.8% في الاتحاد الأوروبي، فإن عام 2024 شهد ارتفاعًا غير مسبوق في الدين العام، وزيادة كبيرة في حالات إفلاس الشركات.
وحذر ماكسيم دارميه قائلاً: "الاقتصاد الفرنسي يمر بحالة من الجمود، نحن لسنا بعيدين عن الركود، وأي صدمة اقتصادية إضافية قد تدفعنا نحوه".
ورغم تهديد الاتحاد الأوروبي بفرض تدابير انتقامية، إلا أن رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لم تستبعد إمكانية التوصل إلى حل تفاوضي مع واشنطن.
ومن المفارقات أن العجز التجاري الأمريكي، الذي يسعى ترامب إلى تقليصه، سجل رقمًا قياسيًا جديدًا في يناير 2025.
وقبيل دخول الرسوم الجمركية الجديدة حيز التنفيذ، تسارعت وتيرة الواردات الأمريكية في محاولة للتخفيف من تأثير ارتفاع الأسعار المتوقع بسبب السياسات الحمائية الجديدة.