فى التأريخ للانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة سيقال إنها الانتخابات الأقل نزاهة والأكثر استخفافا بأحكام القضاء وعبثا بإرادة الناخبين. وسيقال إنها الانتخابات التى كشفت عن أن «اللجنة العليا» المشرفة عليها لا تملك فعليا شيئا من أمر نفسها، وإنها التى أممت مقاعد المرأة لصالح الحزب الحاكم بعد العودة لنظام الحصة، وهى التى سيست الدين بأكثر مما حدث فى أى انتخابات سابقة، وزجت بالوزراء وأهل الفن والإعلام والرياضة إلى المعترك الانتخابى على أوسع نطاق ممكن، وإن فيها تحايل الممتنعون عن التصويت على ظاهرة تسويد البطاقات بالاقتراع الإلكترونى الكثيف وخصوصا على موقع الفيس بوك.
سيقال كل هذا عن انتخابات البرلمان الرابع عشر، لكن سيقال أيضا إنه فى عام 2010 كان الأداء الانتخابى الحزبى هو الأداء الأسوأ منذ تحولت مصر إلى التعددية الحزبية قبل أربعة وثلاثين عاما، وكذلك أيضا كان أداء جماعة الإخوان المسلمين. وبالتالى فإن ظاهرة المستقلين التى عرفتها الحياة النيابية المصرية منذ عقود مرشحة لمزيد من التبلور حتى وإن أضيف إلى قائمة الأحزاب القائمة حزب آخر أو حزبان، وفى هذا ما يدعو إلى القلق الشديد.
ليس فقط لأنه يؤكد حالة الفصام السياسى بين أكثرية المواطنين والأحزاب والتنظيمات السياسية القائمة، وليس فقط لأن خلو الساحة السياسية من الأحزاب والتنظيمات لا يقل سوءا عن مصادرة حق المستقلين فى العمل السياسى، ولكن أيضا لأن بعض المستقلين قد لا يكونون مسيسين بالضرورة، وقد لا يدخلون المعترك الانتخابى وهم واعون بأبعاد دور النائب البرلمانى المفترض فى خدمة قضايا أمته، بل قد يدخلونها من أجل تحقيق مصلحة شخصية ضيقة.
غلب على مواقف الأحزاب والقوى السياسية من العملية الانتخابية منطق الشك وأحيانا المؤامرة. وهو بالمناسبة منطق لم يقتصر فقط على تفاعل هذه الأحزاب والقوى السياسية مع بعضها البعض، لكنه امتد إلى التفاعلات فى داخل كل حزب على حدة. فرأينا مثلا كيف فاجأ الحزب الوطنى من رشحتهم المجمعات الانتخابية باختياراته من بينهم وفق معايير خاصة، ثم أعلن القائمة النهائية لمرشحيه فى ربع الساعة الأخير. وقد جاء احتجاج المبعدين عن الترشيح ليجسد كل معانى الصدمة التى فاجأهم بها الحزب، فتظاهر البعض منهم، ومارس آخرون الشغب، وتعهد فريق ثالث بدعم منافس المرشحين على قوائم الحزب الوطنى.
فلقد قطع الحزب الحاكم على المرشحين المبعدين خط الرجعة وحال بينهم وبين الترشح كمستقلين، فمن المعلوم أن كل من يتقدم بطلب للترشح على قوائم الوطنى يلتزم بتقديم طلب للتنازل عن ترشحه فى اللحظة نفسها وذلك كى لا يتحول إلى مستقل فى حال لم يدعم الحزب ترشيحه.
وعندما قرر الوفد والتجمع والناصرى والإخوان خوض الانتخابات، ارتفعت من داخلهم أصوات تعارض المشاركة الانتخابية، فغلب اعتقاد الوفديين والتجمعيين والناصريين المعارضين أن ثمة صفقة بين بعض قيادات أحزابهم وبين الحزب الحاكم من أجل اقتسام تركة الإخوان أى الـ 88 مقعد/ فى برلمان 2005. وغَذَى هذا التفكير التآمرى عدد من التطورات،بعضها سبق الانتخابات مباشرة مثل إقصاء أحد أبرز معارضى النظام عن رئاسة تحرير جريدة الدستور بعد قيام رئيس حزب الوفد بشراء الجريدة، وقبول أمين التنظيم بالحزب الناصرى تعيينه عضوا بمجلس الشورى رغم انتقادات المعارضة وأعضاء حزبه لهذه الخطوة. أما بعضها الآخر فكان له تاريخ أبعد، ومن ذلك ما عرف عن رئيس حزب التجمع من مهادنة للنظام فى مواقف عديدة. وحتى عندما انسحب حزب الوفد من الجولة الثانية لم يكن هذا دليلا قاطعا على عدم وجود صفقة بينه وبين الحزب الحاكم، فقد ظهر من يقول إن الصفقة كانت قائمة لكن حصادها لم يكن مغريا بالنسبة للوفد، ولهذا قرر بعض الوفديين الاستمرار فى الجولة الثانية رافضين أن يدعوهم الحزب ليشاركوا فيشاركوا ثم يطالبهم بالانسحاب فينسحبوا لا لشئ إلا لأنه لم يقبل بنتائج الصفقة مع الحزب الحاكم.
وفيما يخص علاقة الأحزاب ببعضها البعض كان هناك أيضا قدر وافر من الشك وعدم الثقة والخوف من التآمر. فمع أن كل الشواهد كانت تدل على أن جماعة الإخوان قررت المشاركة فى الانتخابات، ورَصَد البعض قيام أعضائها المتأهبين للترشح بجولات عديدة فى دوائرهم الانتخابية، إلا أن الجماعة لم تعلن رسميا مشاركتها إلا متأخرا. ثم عندما قررت الانسحاب من الجولة الثانية أعلن مرشدها العام أن الهدف من خوض الجولة الأولى قد تحقق، ألا وهو هدف فضح ممارسات النظام. والواقع أن هذا لم يكن هو الهدف المعلن للجماعة، فقد دخلت الجماعة الانتخابات بمنطق المشاركة لا المغالبة كما شاع، ولم يألُ مرشحوها جهدهم فى تعبئة الأنصار والمشايعين، وجرى الاستعداد لشطب اللجنة العليا بعض هؤلاء المرشحين ببدلاء أو بمرشحين احتياطيين، وترددت مقولة الاستشهاد للدفاع عن صناديق الاقتراع فى إشارة إلى التشبث بأصوات الناخبين. وجميع تلك المؤشرات تنم عن رغبة عميقة فى المشاركة البرلمانية وليس فى مجرد فضح النظام، ولا ضير أبدا من أن تكون الجماعة راغبة فى المشاركة، لكن المشكلة تكمن فى تكييف سبب خوض الانتخابات وتفسيره على غير حقيقته.
لقد حَمَل البعض حزب الوفد مسئولية دفع الجماعة للانسحاب لأن استمرارها بعد انسحاب الوفد سيحرجها، وقد نفى ذلك قياديو الإخوان وأكدوا أن قرارات الجماعة تنبع من مؤسساتها لا من مواقف الآخرين. وسبق لبعض أنصار الإخوان أن اعتبروا أن قرار الوفد بالمشاركة فى الانتخابات هو الذى دفع جماعتهم أصلا للمشاركة. وفى الواقع فإنه لا الوفد يتحمل مسئولية مشاركة الإخوان ولا هو يتحمل مسئولية مقاطعتهم الجولة الثانية، فقد عودتنا الجماعة أن تخضع قراراتها لحساباتها الدقيقة، وما أكثر التحركات الجماعية التى رفضت أن تشارك فيها كما حدث مثلا فى موقفها من إضراب 6 إبريل. لكن فى كل الأحوال فإن الحديث عن تأثر موقف الإخوان بالوفد يعنى أن هناك اقتناعا لدى البعض بأن علاقات المعارضة المنظمة فيها شك وليس مجرد تنافس.
فى انتخابات 2010 إذن كان الشك هو سيد الموقف فى علاقة الأحزاب والقوى السياسية بأعضائها وببعضها البعض، شك تطور إلى التآمر فى أحيان كثيرة، وهل يوجد أدل على ذلك من الدفع باثنين أو ثلاثة بل وأحيانا أربعة مرشحين للحزب الوطنى للتواجه والتنافس الدموى فى بعض الدوائر؟ وهل يعقل أن يتهم أحد مرشحى الوطنى فى جولة الإعادة حزبه بالتزوير لصالح مرشحى المعارضة؟ بل هل يعقل أن يترشح مستقلا أحد أعضاء جماعة محكمة التنظيم كجماعة الإخوان ويتمرد على قرارها بعدم خوض انتخابات الإعادة؟ صعب جدا أن يكون المرء متسقا مع نفسه عندما يكون هذا هو حال الأحزاب والقوى السياسية المنظمة، ومع ذلك يجد فى نفسه الجرأة ليقنع النشء بأن الحياة الحزبية هى رافعة العملية الديمقراطية وأن التنافس الحزبى هو الضامن للنزاهة الانتخابية. صعب جدا أن يكون هذا هو الوضع ولا نتصور أو نقبل حقيقة أن المستقلين قادمون