الرئيس وأزمة البوليس - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:47 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

الرئيس وأزمة البوليس

نشر فى : الخميس 14 مارس 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 14 مارس 2013 - 8:00 ص

فى تحليل النظم السياسية العربية نتحدث كثيرا عن خصوصية النظام اللبنانى، ومن بين مظاهر كثيرة لهذه الخصوصية نذكر كيف ظل لبنان بدون رئيس للجمهورية فى الفترة من نهاية سبتمبر 1988 وحتى مطلع نوفمبر 1989. باختصار شديد لأن ما يهمنى هو دلالة الواقعة لا تفاصيلها، فإنه عندما انتهت ولاية الرئيس أمين الجميل من دون القدرة على انتخاب من يخلفه، أقدم الجميل على تعيين قائد الجيش ميشيل عون رئيسا للحكومة. وكان منطقه أنه رغم كون رئاسة الحكومة من حق المسلمين السنة، إلا أنه مع عدم انتخاب رئيس للجمهورية يصبح رئيس الحكومة هو الرجل الأول فى النظام وهذا يعنى وجوب أن يكون من بين المسيحيين الموارنة. بطبيعة الحال رفض المسلمون السنة ما اعتبروه تعديا على حقوقهم، وتمسك سليم الحص رئيس الحكومة آنذاك بمنصبه، وعاش لبنان أكثر من عام فى ظل وضع شاذ لا وجود فيه لرئيس الجمهورية، ومع رئيسين للحكومة، بل بلغ العبث ذروته بإقدام عون والحص على تعيين قائدين مختلفين للجيش. فقط فى نوفمبر 1989 وبعد التفاهم على بنود ميثاق الطائف، انتخب مجلس النواب رينيه معوض رئيسا للجمهورية، ولما اغتيل فى الشهر نفسه قام بانتخاب إلياس الهراوى.

 

هذا الوضع الاستثنائى الذى عاشه لبنان بدون رئيس للجمهورية فى المراحل الأخيرة من الحرب الأهلية، نعيش مثله فى مصر مع وجود رئيس شرعى منتخب فى أعقاب ثورة عظيمة، وما أبعد الشقة فيما بين السياقين. فى كل أزمة من أزمات الوطن بحثنا عن الرئيس فلم نجده، وإن صادفناه أتى متأخرا وفى أحيان كثيرة عبر وسيط، فعندما أراد الدكتور مرسى قطع الطريق على حل الجمعية التأسيسية كلف المتحدث السابق باسم الرئاسة كى ينوب عنه، وعندما سقط شهداء من أهالى بورسعيد فى أحداث العنف الأخيرة عزى الرئيس أسر الشهداء عبر تويتر، وعندما احتدم الخلاف حول قانون الانتخابات تبلغنا عبر حواره التليفزيونى مع المذيع اللامع لاءاته الثلاثة: لا لتأجيل الانتخابات ولا لتغيير الحكومة ولا لعزل النائب العام، ثم ها هو الرئيس بعد تمرد الشرطة يختفى عن المشهد بالكلية وينقل لنا عبر مساعدته للشئون السياسية أن الحكومة تعمل بكل طاقتها ويناشدنا التعامل مع الحدث على قدره دون تهويل أو تهوين. إن لم يخرج علينا الرئيس ويخاطبنا مباشرة بينما عشرات الأقسام ومعسكرات الأمن المركزى خارج نطاق الخدمة فمتى يخرج بالتحديد؟

 

•••

 

على مدار العقود الثلاثة الماضية عرفت مصر واقعتين لتمرد الشرطة، أبرزهما فى فبراير 1986 عندما بدأ التمرد فى اثنين من معسكرات الأمن المركزى بالهرم ثم امتد إلى معسكرات أخرى، وسرعان ما التحقت فئات واسعة من المواطنين المهمشين بهذا التمرد على نحو كان ينذر بخروج الأمر عن الزمام. وقتها تعامل الجيش بعنف شديد مع التمرد، وأطيح بأفضل وزير للداخلية عرفته مصر هو اللواء أحمد رشدى، ثم تم فرض حظر التجول. أما الحدث الآخر فوقع فى عام 2009 لكن على نطاق أضيق بما لا يقاس. مقارنة بعام 1986 فإن التمرد الحالى للشرطة هو الأخطر، ليس فقط من حيث اتساع نطاقه، لكن لأنه فى ثمانينات القرن الماضى كانت توجد دولة أما اليوم فهناك جماعات تتربص بالدولة وتفكك فى إصرار مفاصلها الواحد منها تلو الآخر. هل هى مصادفة أن الدعوة لتشكيل «لجان شعبية» فى غياب انتشار الشرطة تأتى حصرا من التيار الدينى سواء كان الجماعة الإسلامية أو حزب النور؟ هل من تبرير لذلك إلا أن هذا التيار يملك الاستعداد والجاهزية وأحيانا الخبرة التاريخية مع العنف السياسى؟ فى مواجهة هذه الدعوة الخطيرة التى تستنسخ نموذج قوات التعبئة فى إيران وهى عبارة عن شرطة أيديولوجية موازية للشرطة النظامية، التزم الرئيس الصمت التام، الأنكى أن الشرطة الشعبية الإيرانية أدمجت فى الكيان الرسمى للشرطة منذ التسعينيات، أما نحن فنعيد اختراع العجلة الفاشلة. لم نسمع من الرئيس الذى يمارس صلاحياته بنص المادة 141 من الدستور عن طريق رئيس الوزراء والوزراء، لم نسمع تعليقه على ما ورد على لسان مساعد وزير العدل لشئون التشريع من اعتزام الوزارة إحالة مشروع قانون يعطى الضبطية القضائية لشركات الأمن الخاصة. ولا عرفنا رأيه فى قيام النائب العام بإحياء المادة 37 من قانون الإجراءات الجنائية فى وقت يتم فيه تعميم وصف التخريب على فعل التظاهر ويطول النساء قبل الرجال. وفى الموروث الشعبى يكون الصمت من علامات الرضا.

 

أعود لقراءة تحليل روبرت سبرنجبورج، أحد أبرز المتخصصين الغربيبن فى الشأن المصرى، حول كيفية إدارة حسنى مبارك أزمة تمرد الأمن المركزى عام 1986 فى كتابه «مصر مبارك»، وتعليقه على الخطاب الذى ألقاه مبارك أمام مجلس الشعب بعد الأحداث ووصفه له بأنه جاء باهتا مكررا لا يطرح حلولا سياسية لمعاجة احتقان الشرطة ولا يسعى لبناء جسور جديدة للثقة. أقرأ هذا التحليل وأسأل نفسى ترى كيف سيحلل سبرنجبورج إدارة مرسى أو بالأحرى لا إدارته لتمرد الشرطة عام 2013؟، وكيف سيقيم غياب الرئيس رغم الانفلات الأمنى وتنفيذ المواطنين القصاص الوحشى بأيديهم؟، بل كيف سيرى تجاهل الرئيس دعوات رجال الشرطة لإقالة وزير الداخلية واتهامهم له بتسييس عملهم الشرطي؟ دائما يلح علينا، نموذج مبارك ويفرض علينا مقارنته بنموذج الرئيس الحالى، وفى كثير من الأحيان لا تأتى المقارنة لصالح الأخير.

 

•••

 

عندما أمضى لبنان عاما بلا رئيس كانت الحرب الأهلية تلفظ أنفاسها وكان الكل منهوك القوى بعد أن تبين أن الحرب لم تحقق له شيئا ولا استفاد منها فى شئ، وكانت تلك هى الخلفية التى وضعت حدا للحرب وسمحت بدخول الرئيس إلى قصر بعبدا. أما الآن ومصر تعيش عمليا بلا رئيس فإن كل القوى السياسية ما زالت فى عنفوانها، وها هى تتبارى فى استعراض أوراق قوتها لتحجز لنفسها موقعا متقدما فى النظام الجديد، ويتخطى بعضها آليات العمل المؤسسى مرتكزا إلى توازنات القوة المادية ولغة السلاح، وهذا البعد الأخير بالتحديد للتطورات التى تشهدها مصر يجعل من السكوت الرئاسى عليها جريمة لا تغتفر.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات