ولما كان يوم الثامن والعشرين من سبتمبر 1970 - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 12:17 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

ولما كان يوم الثامن والعشرين من سبتمبر 1970

نشر فى : الخميس 29 سبتمبر 2011 - 9:05 ص | آخر تحديث : الخميس 29 سبتمبر 2011 - 9:05 ص

 عندما لاحظ الضابط الإسرائيلى تلكؤ رامى فى الصعود إلى سيارة الجيش أمره فى عنجهية مطلقة قائلا: تيركيف (إركب) فصعد إلى السيارة ساخطا. لو لم تكن لأرض غزة فى نفس رامى طهارة تشبه طهارة أرض مكة إذن لبصق عليها وتخلص بفعلته من إحساس بغيض بالهوان. لكنه تريث واستوى جالسا على الدكة المعدنية محشورا بين أغيار. لم يوحده براكبى الحافلة ذلك الشعور الذى يجمع عادة بين كل الخارجين على القانون فى مواجهة السلطة، الشعور بالتضامن، فلا تهمته مثل تهمهم ولا معايير العدالة التى تنطبق عليهم هى التى سوف تطبق عليه. بدا لفظ العدالة غريبا جدا على أذنى رامى فى هذا الموقف لكنه مع الأسف لم يجد غيره. حين اشتبه فيه الضابط الإسرائيلى وأوقفه مساء يوم الاثنين الثامن والعشرين من سبتمبر 1970، لم يكن أمامه من خيار إلا ادعاء اللصوصية. ليست هذه لحظة الموت بشرف يا رامى قالها لنفسه، فالعملية التى كان يخطط لها مع نفر من رجال المقاومة ما زالت تحتاج إليه، وطالما لا يتوفر دليل على أنه مقاوم فلا مانع من أن تكون تهمته هى السرقة. يتهاون هؤلاء الأوغاد مع كل فعل إلا أفعال المقاومة، منذ جرى تفجير نفق عيلبون قبل خمس سنوات لمنع ضخ مياه نهر الأردن إلى صحراء النقب، والحساسية الإسرائيلية من تحركات كل من يشتم انتماؤه للمقاومة فى حدها الأعلى.

 

●●●

 

انطلقت السيارة فى طريقها إلى مركز الاستيداع بمستعمرة كفار داروم التى تتوسط قطاع غزة فى انتظار ترحيل رامى ومن معه فى الصباح إلى سجن السرايا المركزى. فالطريق إلى السجن تحفها عن يمين ويسار مزارع البرتقال، وهكذا طريق تحتاج تأمينا خاصا لا توفره إلا المستعمرة. يملأ رامى صدره بهواء دير البلح مدينته التى ولد فيها وعاش، ويغسل بنسمات الخريف التى أفلتت من إحدى فرج النافذة بعض مشاعر الغضب والقلق التى تعتمل داخله. ثم بعد ثلاثمائة متر بالضبط من تحرك السيارة انتبه فإذا بالضابط الإسرائيلى يصيح بصوت كالفحيح قائلا : عندى لكم مفاجأة سارة: مات عبدالناصر ديكتاتور العرب.

 

صعق رامى وتجمدت أطرافه فمد ذراعه ليغلق النافذة وقد ألمت بجسده قشعريرة أخذته من قمة رأسه حتى أخمص قدميه. اهتزت الدكة المعدنية من تحته بتأثير تقافز ركاب الحافلة فرحا فبدا كريشة فى مهب الريح. يارب هل صدق الرجل قولا؟ إن آخر عهده بالأخبار القادمة من القاهرة أنه قد تم التوصل إلى اتفاق يحقن الدم العربى المسال فى عمان ويحبط مخططا أمريكيا إسرائيليا للتدخل فى أزمة الأردن، فماذا عساه حدث بعدها؟

 

لم يملك رامى الشجاعة ليسأل، نسى كل مفردات العبرية التى تعلمها بحكم الاحتلال، نساها عامدا متعمدا. ولم يملك الصبر على الجهل بمصير ناصر ذلك الرجل الذى أحب فلسطين كحبه هو نفسه لها أو يزيد. وفى النهاية لم يفعل شيئا، هو لا يستطيع الآن أن يفعل شيئا. اللصوص لا يبكون القادة، ولا يعرفون بالضرورة عطاء قائد مثل عبدالناصر للقضية. لذلك حافظت سحنة رامى على برودتها أما شرايينه وأوعيته وخلاياه فكانت تقطر دما.

 

●●●

 

فى الطريق إلى مستعمرة كفار داروم لم تتوقف الذكريات عن اختراق عقل رامى كطلقات مدفع مجهولة المصدر. فى إحدى الطلقات رأى ناصر رئيس أركان كتيبة الفلوجة التى استماتت فى الدفاع عن موقعها عام 1948، وعندما تَقَرر انسحابها لم تسلم سلاحها، فسلاح الجندى شرفه ووسامه. فى طلقة أخرى رأى ناصر يدشن فى 1964 أول قمة عربية لمواجهة خطر تحويل مجرى نهر الأردن، تلك القمة التى بزغت فيها فكرة تأسيس منظمة سياسية فلسطينية بذراع عسكرى، حتى إذا تحفظ العاهل السعودى لاحقا على قيام أحمد الشقيرى بوضع مشروع المنظمة تدخل ناصر قِبَله واستضافت مصر وحدات من جيش التحرير الفلسطينى. فى طلقة ثالثة رأى ناصر يمثل همزة وصل بين قادة فتح والقادة السوفيت حين كان الأخيرون رعاة لحركات التحرر الوطنى على مستوى العالم. فى طلقة رابعة رأى ناصر يدعو لقمة عربية عاجلة لبحث الاقتتال الفلسطينى – الأردنى ليكون هذا هو آخر عمل يختتم به حياته فى خدمة القضية. كان كل عبدالناصر فداء لفلسطين: دمه وسلاحه وسياسته وفنه الراقى. أحس رامى أنه يختنق وجاهد حتى تحافظ سحنته على برودتها فيما تَواَصل داخله نزف الخلايا والأوعية والشرايين.

 

توقفت حافلة الجيش أمام مستعمرة كفار داروم ونزل رامى مع النازلين. كان ليل غزة قد شارف على الانتصاف، أما إحساسه هو بالزمن فكان مختلفا، أحس أنه فى اللحظة التى تناهى فيها لسمعه نبأ رحيل ناصر أصبح يلعب فى الوقت الضائع. القضية الفلسطينية كلها باتت تلعب فى الوقت الضائع. ألقى به أحد الجنود الإسرائيليين إلى عنبر احتجاز أمثاله من الفلسطنيين الذين لا تجوز لهم مخالطة أبناء شعب الله المختار حتى وإن كانوا مجرمين، حمدا لله أن مخالطتهم لا تجوز. وعندما تأكد رامى أن سجانه قد أوصد عليهم الباب بالمزلاج، ألقى بجسده النحيل إلى الجدار وجال فى وجوه المساجين بنظرة بائسة، ثم ألقى إليهم بالنبأ الصادم فى كلمتين : ناصر مات. علا من داخل المحبس نشيج جماعى هستيرى، وكان نشيج رامى هو الأعلى صوتا. ومنذ هذا الحين بدأ فى تاريخ العرب فصل جديد.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات