الولايات المتحدة الأمريكية في عصر الذكاء الاصطناعي.. الفجوة البشرية بين التحديات والفرص - محمد سالم - بوابة الشروق
الأحد 31 أغسطس 2025 2:04 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ريبيرو المدير الفني للأهلي

الولايات المتحدة الأمريكية في عصر الذكاء الاصطناعي.. الفجوة البشرية بين التحديات والفرص

نشر فى : السبت 30 أغسطس 2025 - 6:55 م | آخر تحديث : السبت 30 أغسطس 2025 - 6:55 م

شكّل مارس 2018 نقطة الانطلاق الفعلية للاهتمام الاستراتيجى الأمريكى بتقنيات الذكاء الاصطناعى، مُعلِنًا عن مرحلة جديدة بعدما أدركت الولايات المتحدة أن الخطر الحقيقى فى هذا المجال يلوح من الشرق، وأعنى الصين، فأسست لجنة الأمن القومى للذكاء الاصطناعى (NSCAI) National Security Commission on Artificial Intelligence، وهى لجنة مستقلة تابعة للحكومة الأمريكية تقدم توصياتها إلى الرئيس الأمريكى والكونجرس من أجل «تعزيز تطوير الذكاء الاصطناعى والتعلم الآلى والتقنيات المرتبطة بها لمعالجة المشكلة بشكل شامل لصالح مقتضيات الأمن القومى واحتياجات الدفاع للولايات المتحدة». وقد أصدرت اللجنة تقريرها النهائى فى مارس 2021، معترفة إن الولايات المتحدة ليست مستعدة بما يكفى للدفاع عن نفسها ضد الصين أو حتى منافستها فى عصر الذكاء الاصطناعى إلا بعد تبنى توصيات هذا التقرير وبتكلفة تصل إلى 32 بليون دولار أمريكى بحلول عام 2026.

أتت الحكومة بأفضل الخبراء على المستوى القومى، فترأس اللجنة الدكتور إريك شميدت الرئيس التنفيذى السابق لشركة جوجل ثم شركة ألفابيت، وتألفت هذه اللجنة من 15 مفوضًا، بمن فيهم رئيسها ونائبه روبرت وورك، نائب وزير الدفاع السابق ووكيل وزارة البحرية، أما المفوضون الخمسة عشر فقد تم تعيين 12 منهم من قبل أعضاء الكونجرس، واثنين من قبل وزير الدفاع، والأخير تم تعيينه من قبل وزير التجارة.

• • •

وبعد عمل مستمر استغرق حوالى السنتين ونصف السنة، خرجت اللجنة بتقرير يقرب من سبعمائة وستين صفحة، ركزّت فيه على المعايير الستة الحاكمة وهى: المعدات، والبيانات، والخوارزميات، والتطبيقات، والموهبة البشرية، والقدرة على التكامل. وأفادت أنها تمتلك الكفاية فى ثلاثة منها وتنقصها ثلاثة، وأهمها القدرات البشرية التى تعانى منها الولايات المتحدة، ففى عام 2020 وحده كان عدد الوظائف الشاغرة للخريجين المتخصصين فى علوم الحاسب 450 ألف وظيفة على المستوى القومى فى الولايات المتحدة، فى حين كان عدد خريجى هذا التخصص فى الولايات المتحدة الأمريكية فى نفس السنة 73 ألف خريج فقط. ومن هنا كان من أهم التوصيات وضع اللوائح والقوانين التى تسمح وتسهل عملية استقطاب الكفاءات فى هذا المجال من كل أنحاء العالم، خاصة أن التخصص الدقيق للذكاء الاصطناعى سوف يحتاج مهارات أخرى وخبرات تضاف للمهارات العامة لعلوم الحاسب. أما توصيات هذا التقرير فكانت أولًا: زيادة الإنفاق الفيدرالى غير الدفاعى بشكل كبير على البحث والتطوير فى مجال الذكاء الاصطناعى، ليتضاعف من 2 مليار دولار فى عام 2022 إلى 32 مليار دولار فى عام 2026. ثانيًا: إنشاء فيلق رقمى لجلب عمال التكنولوجيا المهرة إلى الحكومة. ثالثًا: تأسيس أكاديمية الخدمات الرقمية: لتكون جامعة معتمدة تقدم تعليمًا مدعومًا فى هذا المجال بالتحديد مقابل الالتزام بالعمل لفترة من الوقت فى الحكومة ويكون منتجها هو المواهب الأمريكية (Home Grown Talent) وليس الوافدين من الخارج. رابعًا: تضمين تقارير الحقوق المدنية والحريات المدنية لأنظمة الذكاء الاصطناعى الجديدة أو التحديثات الرئيسية للأنظمة الحالية. خامسًا: توسيع مخصصات البطاقات الخضراء القائمة على التوظيف، ومنحها لكل خريج دكتوراه فى الذكاء الاصطناعى من جامعة أمريكية معتمدة. وأخيرًا: إصلاح نظام إدارة الاستحواذ فى وزارة الدفاع لجعل إدخال التقنيات الجديدة أسرع وأسهل.

أما عن الإحصائيات الأخيرة عن فجوة المواهب فى مجال الذكاء الاصطناعى فى الولايات المتحدة فبلغت فى النصف الأول من عام 2024 فقط حوالى 497,000 وظيفة شاغرة مرتبطة بالذكاء الاصطناعى، متجاوزةً بذلك عدد المتخصصين المؤهلين المتاحين آنذاك والبالغ 193,000. أما عن الطلب المتوقع مقابل العرض بحلول عام 2027 فى الولايات المتحدة فإنه قد يصل إلى 1.3 مليون متخصص مؤهل فى مجال الذكاء الاصطناعى، فى الوقت الذى يتوقع فيه توفر حوالى 645,000 فرد مؤهل فقط، مما يترك حوالى 650,000 وظيفة شاغرة بسبب نقص الكفاءات. أما سبب هذا النقص فهو الطلب المتزايد بسرعة - مع نمو إعلانات الوظائف بنسبة تزيد على 21% سنويًا وارتفاع الرواتب بنسبة 11% سنويًا، ومرشحة للزيادة، ومحدودية مصادر الكفاءة.

• • •

هذه الفجوة ليست مجرد مشكلة فى الموارد البشرية بل إنها تُبطئ تبنى تقنية الذكاء الاصطناعى، وتؤثر سلبًا على الابتكار والتكلفة والقدرة التنافسية. ويكمن الحل فى تعزيز التعليم والتدريب بتوسيع برامج الذكاء الاصطناعى فى الجامعات، والتركيز على محو الأمية فى هذا المجال، وتوسيع نطاق مبادرات تحسين المهارات، وتمويل أبحاث الذكاء الاصطناعى، إضافة للسياسات التى تُشجع حاملى الدكتوراه فى الذكاء الاصطناعى على البقاء فى الولايات المتحدة ومعالجة الفجوات الديموغرافية مثل نقص تمثيل المرأة، والاستثمار فى التدريب على مختلف مستويات الخبرة.

• • •

وهنا فإن السؤال الذى يطرح نفسه، من أين تأتى الكوادر البشرية التى تسد هذه الفجوة؟ والإجابة: تأتى من مصدرين رئيسيين، الهند والصين. فالمدن الهندية الرئيسية التى تتركز بها المواهب المطلوبة تتصدرها حيدر أباد كأفضل مدينة لإرسال الطلاب إلى الولايات المتحدة. فى عام ٢٠٢٢، يليها مدينة بنجالورو (بنجالور)، المعروفة باسم «وادى السيليكون» فى الهند، موطن العديد من المراكز التقنية ومراكز الشركات العالمية التى أنشأتها شركات أمريكية مثل جوجل، وإنفيديا، وأمازون، وغيرها. ثم يلعب النظام البيئى التكنولوجى الأوسع فى دلهى وحيدر أباد دورًا مهمًا فى تصدير المهنيين ذوى المهارات العالية. هذه المدن ليست مجرد منشأ للمواهب، بل هى أيضًا نقاط تجمع واستيعاب المهنيين المتجهين إلى الولايات المتحدة، وتُشكل مصدرًا للخبرة عن بُعد.

وأشير إلى نقطة مهمة فى هذا الخصوص، هى أن هناك منظمة غير حكومية تدعى «ناسكوم Nasscom» تضم عضوية أكثر من ثلاثة آلاف شركة من أكبر شركات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات فى الهند ولها دور كبير فى تنسيق سد الفجوات للوظائف المطلوبة فى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وباقى دول العالم، ويتمتع المشرفون عليها وقادتها بمراكز وأوضاع على أعلى درجات الأهمية وتتمتع هى نفسها بتأثير ملحوظ فى سياسات الدولة الداخلية والخارجية فى ما يخص قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات فى الهند حيث يعتبر مساهمًا رئيسيًا فى الناتج المحلى الإجمالى الوطنى. ووفقًا لتقارير مختلفة فإنه من المتوقع أن تصل إيرادات القطاع فى الهند إلى حوالي420 مليار دولار أمريكى بحلول عام 2029، بمعدل نمو سنوى مركب يبلغ حوالى 9.04%، مع صادرات من خدمات تكنولوجيا المعلومات وصلت إلى حوالى 193 مليار دولار فى عام 2024. أما عن النمو المستقبلى، فتتوقع «ناسكوم» أن ينمو القطاع ليصل إلى 350 مليار دولار بحلول العام المالى 2026. كما تتطلع الهند إلى تحقيق هدف بقيمة 500 مليار دولار بحلول عام 2030.

واستكمالًا لدورها الفعّال، دائما ما تُؤكّد ناسكوم على قدرة الهند على سد فجوات سوق الذكاء الاصطناعى فى الولايات المتحدة من خلال الاستفادة من قاعدة بياناتها الكبيرة والمتنامية من المتخصصين ذوى المهارات فى مجال الذكاء الاصطناعى، مُمثّلةً بذلك مصدرًا أساسيًا للكفاءات وشريكًا استراتيجيًا للشركات الأمريكية التى تتطلع إلى توسيع نطاق اعتمادها للذكاء الاصطناعى والحفاظ على قدراتها التنافسية. إنّ مكانة الهند الراسخة فى تقديم التكنولوجيا العالمية، ومهاراتها الأساسية القوية، والتزامها بالتطوير المستمر للمهارات من خلال التعاون بين الصناعة والأوساط الأكاديمية، جميعها عوامل تُمكّنها من سد فجوة العرض والطلب فى مواهب الذكاء الاصطناعى فى الولايات المتحدة.

تمتلك الهند قاعدة كبيرة من الكفاءات والقدرات البشرية فى مجال الذكاء الاصطناعي: حيث تفتخر الهند بأنها واحدة من أكبر الدول التى لديها القواعد العريضة من مواهب الذكاء الاصطناعى فى العالم، تضم أكثر من 600,000 متخصص، وهى رائدة عالميًا فى انتشار مهارات الذكاء الاصطناعى. كما تتمتع الدولة بقوة عاملة هندسية متمكنة رقميًا تتجاوز «المليون خريج» سنويًا من كليات الهندسة والحاسبات تتمتع بمهارات أساسية فى تحليل البيانات والأنظمة، ما يجعلها مؤهلة تمامًا للأدوار المتعلقة بالذكاء الاصطناعى.

أما عن دور ناسكوم كميسّر لسد فجوات المواهب فتؤديه بكل احترافية، فدائما ما تسلط الضوء على الدور المحورى للهند فى معالجة اختلال التوازن بين العرض والطلب على مواهب الذكاء الاصطناعى فى الولايات المتحدة مستغلة ميزة الهند فى قدرتها على قابلية التكيف السريع مع البيئة الأمريكية. على الجانب الآخر تعزز ناسكوم التعاون بين الحكومة والأوساط الأكاديمية والقطاع الصناعى لبناء قوة عاملة ومخزون بشرى جاهز للعمل فى هذا القطاع فى المستقبل، وتتوج هذه المجهودات بتطوير هذا التعاون إلى شراكة استراتيجية من خلال تطوير قدراتها فى وتعزيز منظومة مواهب قوية تدفعها لتصبح رائدة عالمية فى مجال الذكاء الاصطناعى.

وتأتى الصين بعد الهند كثانى مصدر من مصادر الكوادر البشرية المؤهلة للعمل فى هذه التقنية، وهناك عدة مدن متخصصة فى تجهيز هذه الكوادر مثل جوانجتشو، وشنتشن، وفوتشو، وشيامن، حيث يتواجد المهنيون المهرة، والكفاءات المهنية المطلوبة فى السوق الأمريكية.

 

 

محمد سالم وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الأسبق
التعليقات