اكتمل الوحي الإلهي بقول الله -تعالى- في سورة المائدة: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا"، ليكون الإسلام منهجًا متكاملًا يحكم حياة المسلمين وفق كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.
وبعد انتقال الرسول الكريم إلى الرفيق الأعلى، اجتهد العلماء في فهم نصوص الوحي، واستنباط الأحكام الشرعية، فظهر علم أصول الفقه ليضع القواعد المنهجية التي تضبط عملية الاجتهاد والاستنباط.
وفي هذه السلسلة، نطوف معًا بين رفوف "المكتبة الإسلامية"، نستكشف في كل حلقة كتابًا أثرى الفكر الإسلامي، ونتأمل في معانيه وأثره في مسيرة العلم والدين.
الحلقة السادسة والعشرون..
يُعد كتاب الأربعون النووية للإمام يحيى بن شرف النووي من أهم الكتب التي جمعت جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم، حيث اختار فيه 42 حديثًا صحيحًا تغطي أسس العقيدة، العبادات، الأخلاق، والمعاملات، ويتميز الكتاب بأسلوبه المختصر والدقيق، مما يجعله سهل الحفظ والفهم، وكان عبر العصور مرجعًا رئيسيًا في التربية الإسلامية، يستخدم في المساجد والمدارس والمعاهد الشرعية.
وحرص الإمام النووي على اختيار أحاديث تشمل أهم القواعد الإسلامية التي يحتاجها المسلم في حياته اليومية، حيث تناولت موضوعات متنوعة تساهم في بناء شخصية المسلم عقائديًا وسلوكيًا وأخلاقيًا.
-العقيدة والإيمان
ركز الإمام النووي في بداية كتابه على الأحاديث التي تؤصل العقيدة الصحيحة وترسّخ الإيمان، حيث بدأ بحديث "إنما الأعمال بالنيات" الذي يؤكد أهمية الإخلاص في كل عمل، ويليه حديث "مراتب الدين" الذي يحدد العلاقة بين العبد وربه عبر الإسلام والإيمان والإحسان.
كما تناول حديث "الحلال بيِّن والحرام بيِّن"، الذي يوضح أن المسلم تجنب الشبهات والالتزام بما هو واضح في الشريعة، لأن ذلك جزء أساسي من الإيمان، كذلك، أورد الإمام النووي حديث "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا"، ليؤكد أهمية طهارة القلب والعمل والسلوك في حياة المسلم.
ومن خلال هذه الأحاديث، وضع الإمام النووي أسس العقيدة الصحيحة، بحيث يدرك المسلم أن الإيمان ليس مجرد أقوال، بل أفعال وسلوكيات تعكس يقينه بالله تعالى.
-الأخلاق والسلوك
لم يقتصر الكتاب على العقيدة فقط، بل اهتم بتقويم سلوك المسلم وتوجيهه نحو الأخلاق الفاضلة، حيث ركّزت العديد من الأحاديث على أهمية ضبط النفس واللسان، مثل حديث "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت"، الذي يبين أن الكلمة مسئولية، كما ورد حديث "لا تغضب"، الذي يعكس أهمية التحكم في الانفعالات، لأن الغضب يؤدي إلى فساد العلاقات والمجتمع، كما جاء حديث "من لا يَرحم لا يُرحم" ليؤكد أن الرحمة من أهم صفات المسلم الحقيقي، فهي تشمل التعامل مع الناس بلطف، وعدم القسوة في القول أو الفعل، كذلك، نجد حديث "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"، الذي يرسّخ مفهوم القوة الحقيقية على أنها ليست في السيطرة على الآخرين، بل في ضبط النفس والتحكم في الانفعالات.
ومن خلال هذه الأحاديث، يوضح الإمام النووي أن الأخلاق ليست مجرد مكارم، بل هي أساس الدين وميزان التفاضل بين الناس.
-المعاملات بين الناس
من القيم الأساسية التي ركّز عليها الإمام النووي في الأربعين النووية طريقة تعامل المسلم مع غيره، حيث أورد حديث "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، ليؤكد أن الإيثار وحب الخير للآخرين من علامات الإيمان الصادق، كما ذكر حديث "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، وهو مبدأ أساسي في حفظ حقوق الآخرين والابتعاد عن الإيذاء بالقول أو الفعل.
وفي سياق تعزيز العلاقات الإنسانية، أورد حديث "الدين النصيحة"، ليبين أن المسلم يجب أن يكون نصيحًا مخلصًا للناس، ناصحًا لهم في الخير، كذلك، شدّد في حديث "الظلم ظلمات يوم القيامة" على خطورة الظلم في جميع أشكاله، سواء كان ظلم النفس أو ظلم الآخرين، وبهذه الأحاديث، يرسّخ الإمام النووي قيم العدل، المساواة، حسن التعامل، والصدق في العلاقات، ليصبح المسلم عنصرًا إيجابيًا في مجتمعه يحترم حقوق الآخرين ويتعامل معهم بأخلاق الإسلام.
-العبادة والطاعة
لم يغفل الإمام النووي أهمية العلاقة بين العبد وربه، فقد جمع أحاديث تركز على الإحسان في العبادة، والحرص على الطاعة، والتوازن بين العبادة والعمل، ومن هذه الأحاديث، حديث "اتقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن"، الذي يوضح أن التقوى ليست فقط في العبادات، بل تمتد إلى العلاقة مع الناس ومعاملتهم بالحسنى، كما أورد حديث "إن الله كتب الإحسان على كل شيء"، ليؤكد أهمية الإتقان في العبادات والمعاملات، وأن المسلم يجب أن يكون متفانيًا في كل ما يقوم به ابتغاء مرضاة الله، ومن الأحاديث المهمة في هذا الباب، حديث "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"، الذي يبين أن القيمة الحقيقية للإنسان ليست في مظهره، بل في صدق قلبه وأفعاله، بهذه الأحاديث، يربط الإمام النووي بين العبادة والعمل الصالح والسلوك القويم، ليكون المسلم متوازنًا في حياته الروحية والمادية.
-الأربعون النووية: منهج حياة
إن الأربعون النووية ليست مجرد كتاب حديثي، بل هي دليل شامل لفهم الإسلام وتطبيقه، فقد استطاع الإمام النووي أن يختصر مبادئ الإسلام في كلمات قليلة، لكنها عميقة التأثير، مما جعلها مرجعًا خالدًا للأجيال، ما يجعل هذا الكتاب فريدًا هو أنه سهل الفهم، واضح المعاني، وشامل لأهم القضايا الدينية والإنسانية، مما جعله من أكثر الكتب اعتمادًا في المدارس والمعاهد الإسلامية، كما إن دراسة الأربعين النووية ليست مجرد حفظ للأحاديث، بل هي تطبيق عملي لما جاء في تعاليم النبي، بحيث يكون المسلم على بصيرة في دينه وسلوكياته وتعاملاته مع الآخرين.
اقرأ أيضا
المكتبة الإسلامية (25).. رياض الصالحين للإمام النووي كنز الأحاديث النبوية