تحل ذكرى أول نصر أيوبي على الحملة الصليبية الخامسة، اليوم الموافق 29 أغسطس من كل عام، حيث تم رد العدوان عن مدينة دمياط في معركة فارسكور الأولى. كانت فارسكور شاهدة على ملحمتين تاريخيتين، استبسل فيهما الجيش المصري محققًا النصر على الحملات المعتدية. وعلى الرغم من الشهرة الواسعة لمعركة فارسكور الثانية، التي شهدت وقوع الملك لويس التاسع في الأسر، فإن معركة فارسكور الأولى لقنت الجيش المعتدي على دمياط درسًا عسكريًا حاسمًا.
وتسرد جريدة الشروق وقائع معركة فارسكور الأولى وخطة الأيوبيين لهزيمة جيش متفوق بالسلاح، لرد العدوان عن مدينة دمياط، وتفاصيل المعركة وفقًا لكتب: "الحملة الصليبية الخامسة"، لكليف فان، و"معركة فارسكور والحملة الصليبية الخامسة"، لكيرل بلوجيسكي، و"الحراك الصليبي في بداية القرن الثالث عشر"، للورانس مارفن.
لماذا دمياط؟
كانت الدول الأوروبية تخطط مطلع القرن الـ13 لتجديد الحملات الصليبية لاحتلال القدس بعد فشل حملة ريتشارد قلب الأسد في تحقيق الانتصار. ولكن القيادات الأوروبية غيرت أهداف الحملة الجديدة بناءً على دروس الهزائم السابقة، لتكون مصر هي الهدف لكسر العمق العسكري للجيش الأيوبي، وبالتالي إلغاء أي مقاومة متوقعة عند القدس. وبعد اختيار مصر هدفًا، أصبحت دمياط هي وجهة الحملة الصليبية الخامسة، وذلك بسبب موقعها الاستراتيجي المسيطر على نهر النيل. وباحتلال دمياط، يسهل غزو القاهرة بالسفن البحرية وتدمير الأيوبيين.
دمياط تحت الحصار
وصل الجيش الصليبي إلى دمياط عام 1218، ولكن المدينة واجهتهم بتحصينات متفوقة من 3 أسوار عالية و28 برجًا حربياً، على رأسهم برج السلسلة الشهير بقدرته على قطع نهر النيل في وجه السفن الحربية. في غضون ذلك، حشد الأيوبيون جيشهم لإعاقة الصليبيين وفك الحصار عن دمياط، ليعلق الجيش الصليبي في عملية حصار طويلة، حيث صمدت دمياط في وجهها رغم امتلاك الجيش المهاجم لأحدث أنواع المنجنيق ورمي المدينة بنيران الإغريق المدمرة.
خطة أيوبية تدمر الجيش الصليبي
اضطر الصليبيون لدخول معركة فاصلة للتخلص من الجيش الأيوبي حتى يتفرغوا لتدمير أسوار المدينة المنيعة. لذلك، تحركوا يوم 29 أغسطس بجيش من 10 آلاف مقاتل، متنوعين بين المشاة الروم والإيطاليين النظاميين ونخبة من فرسان المعبد وفرسان الاسبتارية، لمواجهة الجيش الأيوبي المعسكر في فارسكور، قرب دمياط. بدأت أولى تحركات الخطة الأيوبية بافتعال انسحاب كاذب جعل الصليبيين يترددون في شن هجوم مباشر، مما أتاح للأيوبيين أخذ زمام المبادرة.
بدأ الهجوم الأيوبي بغارة لفرسان البدو على مؤخرة الجيش الصليبي، مما دفع القائد لإرسال مجموعة فرسان من المقدمة للتدخل. لكن مشهد تحرك الفرسان نحو المؤخرة أعطى انطباعًا بعملية انسحاب، مما أدى إلى هروب عدد من الصليبيين بشكل فوضوي. استغل الأيوبيون ذلك لشن هجوم شامل، حيث رشقوا جناحي الجيش بالسهام ورموا بالنار الإغريقية على المشاة في الوسط، مما أدى إلى فرار الجيش بشكل جماعي من أرض المعركة.
كان هروب الصليبيين فوضويًا، زاد من كارثيته امتلاء الطريق بالخنادق والجسور على النهر، مما أدى إلى غرق مئات الجنود. بينما استطاع الأيوبيون أسر مئات آخرين، ليخسر الجيش الصليبي 4000 من قواته النظامية، ما يعادل ربع الجيش، و400 من فرسان النخبة. كما لقي قائد الجيش الصليبي حتفه خلال المعركة.
استمر الصليبيون في دمياط لعامين بعد فارسكور، حتى حاولوا في مغامرة الإبحار لاحتلال القاهرة، لكن الحملة باءت بالفشل بسبب الأوضاع المتقلبة لنهر النيل التي منعت السفن من الوصول إلى القاهرة. لتكون نهاية الحملة الخامسة عند دمياط، إذ لم تكن آخر الحملات على المدينة الباسلة.