الرئيس الروسي السابق: نحتفظ بـ"فيتو" ضد تخلي فيينا عن الحياد .. ووزيرة الدفاع النمساوية: تصريحات مرفوضة ولن نسمح لأحد بتهديد استقلالنا
- وزارة الخارجية النمساوية تستدعي القائم بالأعمال الروسي
وجّه دميتري ميدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن الروسي والرئيس الروسي السابق، تهديدات مباشرة إلى النمسا في حال أقدمت على تغيير وضعها الحيادي الدستوري أو سعت إلى الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وفي مقال نشره عبر منصة قناة RT الروسية الرسمية، وصف ميدفيديف السياسة الخارجية النمساوية بأنها تنزلق نحو ما أسماه "العسكرة التدريجية"، وحذّر من "إجراءات مضادة" قد تتخذها موسكو، دون أن يحدد طبيعة هذه الإجراءات.
التصريحات الروسية ردت عليها الحكومة النمساوية بشدة، فقالت وزيرة الدفاع كلوديا تانر: "لن نُبتزّ، ولن نسمح لأحد بأن يهدد استقلالنا. هذه التصريحات مرفوضة جملة وتفصيلًا". كما استدعت وزارة الخارجية النمساوية القائم بالأعمال الروسي في فيينا، ووصفت تصريحات ميدفيديف بأنها تدخل مرفوض في الشئون الداخلية النمساوية.
ميدفيديف، الذي يتحدث منذ سنوات بلهجة تصعيدية تمثل أحد أوجه الخطاب المتشدد في موسكو منذ بداية الحرب في أوكرانيا، ركّز في مقاله المعنون بـ"الالتحاق بالناتو" على ما اعتبره تخليًا من قبل النمسا عن مبدأ الحياد، الذي وُثّق في مذكرة موسكو عام 1955.
وذكر أن روسيا، بصفتها أحد الدول الضامنة لاستقلال النمسا بعد الحرب العالمية الثانية، تحتفظ بـ"حق الاعتراض" (فيتو) في حال عدّلت فيينا موقفها من الحياد.
- تهديد صريح لفيينا
وفي إشارة مباشرة إلى السويد وفنلندا، اللتين انضمتا إلى الحلف في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية، كتب ميدفيديف أن موسكو اتخذت "إجراءات مضادة" رداً على تلك الخطوات، وأنه "لن تكون هناك استثناءات" إذا قررت النمسا اتباع الطريق ذاته.
وقال ميدفيديف إن النمسا تنخرط في "نقاشات عامة مدفوعة من بروكسل الدموية" هدفها التخلي عن "قيود الماضي"، في إشارة إلى الحياد الدستوري، متهماً النخب النمساوية بأنها "تنقاد وراء عقلية القطيع" التي تدفع أوروبا نحو التكتل العسكري.
وكتب: "فيينا بدأت تتحدث عن أن الإجماع السلمي المتآكل والتهديد الروسي يوفران فرصة تاريخية للتخلص من قيود الحياد".
وفي استعراضه لأمثلة على ما اعتبره "تدهورًا تدريجيًا لوضع الحياد"، استشهد ميدفيديف ببيانات حول عبور قوات ومعدات تابعة للناتو للأراضي والأجواء النمساوية.
وقال إن عام 2024 شهد أكثر من 3000 عملية نقل وأكثر من 5000 رحلة عسكرية للحلف داخل المجال النمساوي. كما اتهم فيينا بالمشاركة الفعلية في "ناتو الشراكة"، في إشارة إلى برنامج الشراكة من أجل السلام، الذي انضمت إليه النمسا في 1995.
ميدفيديف لمّح أيضًا إلى أن النمسا قد تخسر مكانتها الدولية كمضيف للمنظمات متعددة الأطراف، في حال تخلت عن حيادها، مشيرًا إلى أن استضافة فيينا لمقار الأمم المتحدة، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ومنظمة أوبك، جاءت نتيجة لوضعها الحيادي.
وأضاف: "قد آن الأوان لإعادة النظر في بقاء هذه المنظمات في فيينا، ونقلها إلى دول في الجنوب أو الشرق العالمي، حيث تتوفر ظروف عمل مناسبة".
- رد قوي من الحكومة النمساوية
الحكومة النمساوية ردّت بشدة على هذه التصريحات. وزيرة الدفاع كلوديا تانر صرّحت بأن النمسا لن تنضم إلى الناتو، وأن التهديدات الروسية "تمثل محاولة بائسة للتشكيك في استقلال البلاد وسيادتها". وقالت: "لن نُبتزّ، ولن نسمح لأحد بأن يهدد استقلالنا. هذه التصريحات مرفوضة جملة وتفصيلًا".
أما وزارة الخارجية النمساوية فقد استدعت القائم بالأعمال الروسي في فيينا، ووصفت تصريحات ميدفيديف بأنها تدخل مرفوض في الشؤون الداخلية النمساوية.
وأوضحت المتحدثة باسم الوزارة أن "النمسا لا تعتزم التخلي عن حيادها، ولا الانضمام إلى الناتو"، مجددة في الوقت نفسه التزام فيينا بالسلام العادل والدائم في أوكرانيا، واستعدادها لاستضافة مفاوضات بهذا الشأن.
- أغلبية النمساويين يؤيدون حياد بلادهم
الجدل حول الحياد الدستوري في النمسا لا يزال محصورًا إلى حد كبير في الأوساط السياسية والإعلامية، إذ تظهر استطلاعات الرأي أن أكثر من 70 في المئة من النمساويين يؤيدون بقاء بلادهم على الحياد. لكن بعض المسؤولين في الحكومة، من بينهم وزيرة الخارجية بياته ماينل-رايسينغر، أثاروا في الأشهر الماضية تساؤلات حول ما إذا كانت السياسة الأمنية التقليدية للنمسا ما زالت كافية في ظل "تصاعد التهديدات الروسية"، على حد وصفها.
الخطاب الروسي استند أيضًا إلى مواقف قانونية، أبرزها ما نقل عن وزيرة الخارجية السابقة كارين كنايسل، المقيمة حالياً في روسيا، والتي ترى أن أي تعديل في وضع الحياد يتطلب موافقة الدول الضامنة لمذكرة 1955.
في المقابل، تؤكد الحكومة النمساوية أن قانون الحياد الذي أُدرج في الدستور عام 1955 هو قانون وطني يمكن تعديله بقرار من البرلمان بأغلبية الثلثين، دون حاجة إلى موافقة دولية.
تصريحات ميدفيديف تعكس تشددًا متصاعدًا في الخطاب الروسي تجاه أي دولة أوروبية تفكّر في تعديل علاقاتها الأمنية التقليدية. ومع أن النمسا لم تتخذ أي خطوة رسمية باتجاه الناتو، فإن روسيا تبعث برسائل واضحة بأنها تعتبر حياد فيينا جزءًا من ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولا ترى في تغييره خطوة سيادية فحسب، بل استفزازًا جيوسياسيًا.
في الوقت الراهن، لا توجد مؤشرات على توجه سياسي رسمي نحو الانضمام إلى الحلف، لكن التصعيد في اللهجة الروسية يُلقي الضوء على هشاشة التوازن بين حياد تقليدي ومخاوف أمنية متصاعدة في قلب أوروبا.