رواية الأزمة.. أولاد حارتنا من التحريم والاغتيال إلى الإباحة والانتصار - بوابة الشروق
الأحد 31 أغسطس 2025 11:06 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

ريبيرو المدير الفني للأهلي

رواية الأزمة.. أولاد حارتنا من التحريم والاغتيال إلى الإباحة والانتصار

محمود عماد
نشر في: الأحد 31 أغسطس 2025 - 5:50 م | آخر تحديث: الأحد 31 أغسطس 2025 - 6:06 م

يظل نجيب محفوظ بلا شك أسطورة الأدب والكتابة المصرية والعربية، بل إنه من الكتاب أصحاب التأثير العالمي، والذي اكتسبه بعد فوزه بالجائزة الأدبية الأرفع في دنيا الأدب، وهي جائزة نوبل في الأدب، التي أوصلته للعالمية، وجعلت منه أيقونة ومرجع للكتابة المصرية والعربية، ليصير أبا وعميدا للرواية العربية المعاصرة.


مر نجيب محفوظ بالعديد من المحطات الهامة في حياته الأدبية، وفي الذكرى ال19 لرحيله نستعيد معا أحد أكثر المحطات سخونة وإثارة للجدل في المسيرة المحفوظية، وهي محطة رواية "أولاد حارتنا".

أولاد حارتنا مرآة للإنسانية

تعد رواية "أولاد حارتنا" أحد أشهر أعمال نجيب محفوظ الروائية، وأكثرها إثارة للجدل، بل يمكننا القول بأنها من أكثر الروايات العربية إثارة للجدل في تاريخ الرواية العربية كلها.

أصبح نجيب محفوظ أحد أهم الكتاب المصريين والعرب في منتصف القرن الماضي، وصار اسما أدبيا لامعا بعد مجموعة من الروايات الواقعية العامة، وأهمها بالطبع الثلاثية "بين القصرين"، "قصر الشوق"، و"السكرية".

توقف نجيب محفوظ عن الكتابة بعد ثورة يوليو عام 1952، حيث شعر بأن ما كان يكتب في العصر الملكي وينقده بدأت الثورة تعالجه فتوقف عن الكتابة لمدة خمس سنوات، حتى كتب أحد أكثر رواياته شهرة وإثارة للجدل، وهي رواية "أولاد حارتنا".

كتب محفوظ الرواية معتمدا على الرمز في تحول لطريقته الكتابية بشكل كبير، حيث حاول أن تكون الحارة هنا رمزا للعالم والإنسانية، وأن يحاول معالجة القضايا الكونية التي شغلت تفكيره في ذلك الوقت، وحاول أيضا معالجة فكرة صراع الخير والشر، ولا يخفى أن الرواية قدمت منظور سياسي واجتماعي أيضا نقدي للحال في مصر.


الأزمة تشتعل

أثارت الرواية الجدل منذ نشرها كحلقات مسلسلة في جريدة الأهرام، حيث هاجمها الجميع المتشددون، والأزهر، والمثقفون على حد سواء، وكفر محفوظ بسببها واتهم بالإلحاد.

دافع محمد حسنين هيكل عن الرواية وعن نجيب محفوظ، حيث كان رئيسا لتحرير الأهرام في ذلك الوقت، لم يحدث لمحفوظ شيئا وقتها، غير منع الرواية من النشر ككتاب، وذلك بموافقة محفوظ نفسه، ولم يكن المنع رسميا، ولكن بتخوف، وانتظر محفوظ أن تجاز الرواية، ولكن ذلك لم يحدث، لتخوف الناشر من التقدم بها للنشر.

نشرت الرواية بالفعل بعد كثير من الانتظار في بيروت، وصدر من مجمع البحوث الإسلامية أول بيان لمنع الرواية خوفا من توزيعها في مصر.

دافع نجيب محفوظ كثيرا عن الرواية معتبرا إياها أنها مجرد رواية أدبية، وليست إساءة للذات الإلهية أبدا، واصفا أن جميع من هاجمها لم يقرأها جيدا، وحاول كثيرا أن يوضح وجهة نظره في كتابة الرواية معتبرا أنها بعيدة عن رمزية الأنبياء.

ظلت الرواية تثير الجدل، ورغم المنع تحولت الرواية إلى مسلسل إذاعي عبر إذاعة صوت العرب بالاسم ذاته، وذلك عام 1970، من إخراج حسين أبو المكارم، وسيناريو عبد الرحمن فهمي، وبطولة سميحة أيوب، وعبد الله غيث، وعبد الرحمن أبو زهرة، وتوفيق الدقن، وكريمة مختار، ومحمد رضا، وقد حصلت الإذاعة على موافقة الأزهر، وعرض المسلسل كاملا مع بعض التعديلات الطفيفة بموافقة محفوظ نفسه.


أولاد حارتنا ونوبل

تجددت أزمة الرواية في عام 1988 عندما حصل نجيب محفوظ على أرفع الجوائز الأدبية في العالم، وهي جائزة نوبل في الأدب، حيث قال البعض أن محفوظ حصل عليها بسبب رواية "أولاد حارتنا" خصيصا لأن تلك الرواية تطعن في الأنبياء وفي الذات الإلهية.

عندما نعود إلى حيثيات فوز نجيب محفوظ، والتي أعلنتها الأكاديمية السويدية نفسها، نجد أن ذلك الإدعاء خاطئ صحيح أن الحيثيات ذكرت فيها رواية "أولاد حارتنا"، ولكنها ذكرت ضمن أعمال أخرى مثل الثلاثية، و"زقاق المدق"، و"ثرثرة فوق النيل"، كما ذكرت الحيثيات أعمال قصصية لمحفوظ مثل "دنيا الله".


أولاد حارتنا ومحاولة الاغتيال

في يوم 14 أكتوبر من عام 1994 تعرض نجيب محفوظ لمحاولة اغتيال خسيسة، حيث طفت أزمة رواية "أولاد حارتنا" على السطح من جديد لتكون بشكل ما من أهم أسباب محاولة الاغتيال.

في تلك الفترة كانت أزمة رواية "آيات شيطانية" للكاتب سلمان رشدي، قد أعادت الجدل حيث اعترض محفوظ على الفتوى الشهيرة لروح الله الخميني بإهدار دماء رشدي، وهذا ما جعل أحد الشيوخ المتشددين وهو عمر عبد الرحمن يهدر دم نجيب محفوظ، استنادا إلى أن لو كان نجيب محفوظ قد قتل بعد "أولاد حارتنا" لما تجرأ سلمان رشدي على الدين بعد ذلك.

فشلت محاولة الاغتيال وانقلب العالم لتلك المحاولة، وانهالت على الكاتب العالمي البرقيات والزيارات والإدانات من جميع أنحاء العالم، وقبض رجال الشرطة على الجناة، وحصلوا على أشد الأحكام، والتي وصلت للإعدام.


أولاد حارتنا في الكتب

تمثل معركة رواية "أولاد حارتنا" مادة ثرية لمحاولة معرفة أحد محطات أديب نوبل المؤثرة للغاية في حياته، تحدث نجيب محفوظ نفسه عن الرواية وأزمتها في كتاب "صفحات من مذكرات نجيب محفوظ" للكاتب والناقد الكبير رجاء النقاش، والتي تعد المذكرات الخاصة بالكاتب العالمي.

وهنالك أيضا كتاب "أولاد حارتنا.. سيرة الرواية المحرمة" للكاتب والناقد محمد شعير، والذي يتناول بشكل تأريخي وتحليلي كل جوانب أزمة الرواية منذ بداية كتابة نجيب محفوظ للرواية مرورا بكل محطاتها من الاتفاق على نشرها مع الأهرام، ونشرها مسلسلة، ثم الأزمات التي صاحبتها حتى محاولة الاغتيال.

يتميز الكتاب بكونه يقدم صورة بانورامية مثيرة عن الرواية، وعن أفكار نجيب محفوظ في الرواية، كما أنه يقدم تفاصيل كثيرة عن الرواية ونشرها واستقبال الصحافة والأوساط الثقافية لها، أيضا يعرض الكتاب السجالات الكثيرة من الأوساط المثقفة نفسها حول الرواية؛ فيمكننا اعتبار كتاب محمد شعير مرجعا مهما لفهم طبيعة أزمة رواية "أولاد حارتنا".

الإباحة والانتصار

بعد الكثير من السنوات من الشد والجذب، والتحريم، وصولا أنها كانت ستكلف محفوظ حياته كله، نشرت الرواية لأول مرة في مصر مع دار الشروق، لتكون المرة الأولى التي تنشر فيها "أولاد حارتنا" في كتاب مستقل مع ناشر مصري.

أعلنت الرواية انتصارها على الجميع، وخاصة المتشددين، وتصبح من ذلك الوقت متواجدة دون منع، وتنتصر لكونها رواية أدبية إنسانية من ضمن روايات الأديب الكبير نجيب محفوظ، ويمكننا القول أن الإباحة هي ما نزعت عن الرواية جدلها، وحولتها لنص إبداعي قابل للتأويل دون تكفير.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك