فى عينى لبنى - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:54 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

فى عينى لبنى

نشر فى : الخميس 3 ديسمبر 2009 - 9:55 ص | آخر تحديث : الخميس 3 ديسمبر 2009 - 9:55 ص

 كانت تتعجل الوصول إلى ضاحية المعادى للقيا لبنى الصحفية السودانية التى حلت مؤخرا بالقاهرة وتشتاق جدا لسماع كلمتها، ففى شخصية لبنى أبعاد كثيرة تثير فضول أى امرأة وعديد من متابعى الشأن العام.

ولبنى هى الصحفية المعارضة صاحبة العمود الأسبوعى اللاذع فى جريدة الصحافة، وهى المرأة التى قُبض عليها بتهمة ارتداء البنطلون وحكم عليها بالغرامة فأبت أن تدفع، وهى موظفة الأمم المتحدة التى تخلت بارتياح عن حصانتها الدولية وصممت أن تحاكم كأى مواطنة سودانية عادية، وهى الأرملة فى مجتمع شرقى لا يعطى ثقته لامرأة إلا فى وجود محرم، فإلى أى مدى ستلخص كلمة لبنى كل تلك المعانى على تشعبها؟ كان هذا هو سؤالها الأول،

أما الأسئلة الأهم فكانت: هل أفسد الإعلام لبنى كما أفسد كثيرين غيرها وجدوا أنفسهم فجأة فى بؤرة الضوء ودائرة الاهتمام؟ هل قطع الإعلام الطريق عليها للتراجع عن رفض العقوبة عندما وضعها على طريق النضال السياسى، ومن كتبت عليه خطى مشاها؟ هل تملك لبنى قضية حقيقية أم أنها طالبة شهرة؟ قالت صاحبتنا لنفسها: ننتظر لنرى.

حين دخلت لبنى القاعة معتذرة عن تأخرها لأكثر من ساعة بسبب حال الطريق وعن يمينها ويسارها مصور ومراسل أجنبيان، تفتحت حواس صاحبتنا كامرأة وكمراقبة. لم تكن صورة لبنى جديدة عليها فقد طالعتها عشرات المرات فى كل وسائل الإعلام وعبر المواقع الإلكترونية لكن رؤياها لا شك كانت فرصة، خصوصا حين نعلم أنها تسللت من السودان إلى محطتها الأولى فى اليمن بعدما تخفت خلف نقاب. فارعة القوام مليحة القسمات أربعينية العمر ترتدى بدلة سوداء طويلة الأكمام وتضع غطاء للرأس ينحسر بين الحين والآخر للخلف فيكشف عن شعر متموج داكن السواد حسن التصفيف.

عندما أمسكت لبنى الميكروفون بيدين تخضبهما حناء السودان الشهيرة لتتكلم أحس كل من فى القاعة بكلمتها تنطق بمرارة التجربة وقسوتها. كان أكثر ما كررته لبنى ولعله أكثر ما آلمها هو اعتبار سروالها بحكم المادة 52 من القانون الجنائى لعام 1991 من ألوان الفعل الفاضح. كانت تحسب ألف حساب لأولئك الذين سمعوا بالحكم عليها لكن لم يصل مبرر الحكم إلى أسماعهم. كانت تخشى من شطحات الخيال وسوء الظن وجلسات النميمة والقيل والقال، كان لها فى السودان أهل وعزوة تحب ألا تسيئهم.

أحست لبنى بالغبن الشديد لأنها خرجت من سجن الشرطة إلى سجن المجتمع، محرومة من حق الترشيح فى أى انتخابات بحكم طبيعة تهمتها. فأى نوع من المواطنة هذا الذى يحرم المرأة من دخول البرلمان فى السودان بسبب بنطلون ويهدد نائبتين بالطرد من برلمان الكويت لعدم ارتدائهما الحجاب؟ تعلمنا أن الترشح للعضوية البرلمانية له ضوابطه المحكمة كالسن والأهلية العقلية والنزاهة، أما السروال وغطاء الرأس فلا شأن لهما بممارسة الحقوق السياسية.

هل كانت تتعمد لبنى أن تصدمنا برقم الـ43.000 امرأة اللائى قبض عليهن فى عام واحد هو عام 2008 وفى ولاية واحدة هى ولاية الخرطوم وبتهمة واحدة هى تهمة ارتداء الأزياء المخالفة؟ أم أنها كانت تقصد التهكم على المفارقة بين مطاردة شرطة النظام العام لهذه الكتيبة من النساء المخالفات فى عام 2008 وبين عجز الجيش السودانى عن صد هجوم متمردى دارفور على العاصمة فى العام نفسه؟

إن كانت لبنى تريد صدمتنا فقد نجحت وأثارت فى أذهاننا هذا السؤال: إذا تمردت 43.000 امرأة على قواعد الزى فى الخرطوم وحدها فكم يبلغ عدد المتمردات فى كل أنحاء السودان؟ وإذا أضفنا لهؤلاء المتمردات جموع النساء اللائى يعريهن الفقر أو التقاليد القبلية فى أجزاء مترامية من السودان فما الذى يتبقى كقاعدة اجتماعية للنظام؟

وإن كانت لبنى تود إشراكنا فى تهكمها فقد فعلت باقتدار لأن بلدا تفكك أوصاله ويحاصره الفقر ويُطلب رئيسه للتوقيف لا يتصور أن يحتل زى نسائه أى ترتيب على قائمة أولوياته ولا أن تزيد ميزانية هيئة الفقه الإسلامى على ميزانية تطوير شبكة مياه السودان، اللهم إلا أن يكون مصطلح الأولوية قد فقد معناه.

لو أُعطيت لبنى حق الكلام فى محكمة النظام العام التى نظرت قضيتها لكانت خير مدافع عن نفسها، فلسانها طلق وحجتها واضحة وذهنها رائق، لكنها كما فى عديد من المحاكم الاستثنائية لم تكن تملك حق الكلام.

نظر الشهود فى عينى لبنى السوداوين ونطقوا زورا بما لم يروه من تفاصيل جسدها، فغرمتها المحكمة كما سبق أن جلدت اثنتى عشرة امرأة ضبطن معها. خشيت صاحباتها من ظلم المجتمع فقبلن بالجلد بغير جريرة، أما لبنى فلا. لم يفسد الإعلام لبنى إذن ولا صنع منها مناضلة لكنها هى التى أهدته نموذجا محترما لمعارضة صلبة.

أحسن المركز المصرى لحقوق المرأة صنعا باستضافته لبنى، ففى عصر المقاومات التى تباع وتشترى نحتاج إلى مقاومة لا تقبل الصرف، كما أحسن المركز أن دعاها فى إطار الحملة العالمية لمواجهة العنف ضد النساء تأكيدا على عمومية قضيتها، وإثباتا أنه إن كان بيننا نساء كثيرات تجلدهن سياط الدولة أو المجتمع أو كلاهما فإن الأمل فى يوم ليس ببعيد يلوح وسطهن وجه لبنى أو وجه يشبههه.





نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات