مشروع الدستور والفئات المهمشة - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:57 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

مشروع الدستور والفئات المهمشة

نشر فى : الجمعة 6 ديسمبر 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الجمعة 6 ديسمبر 2013 - 8:00 ص

ماذا فعل بنا حسام المساح ونحن نشاهد جسمه الناحل ينتفض وعضلات وجهه تختلج فيما السلام الجمهورى يتردد قويا بين جنبات القاعة؟ أبكانا الرجل وأرجفنا وألقى إلينا هو وكل أعضاء لجنته المحترمين بطوق نجاة من بئر حسبنا أن ليس لها قرار. تحول ملايين المشاهدين فجأة إلى كورس كبير يردد خلف أعضاء اللجنة هتاف «تحيا مصر»، وأخبرتنى طالبة سابقة أن والدتها وقفت احتراما للسلام الجمهورى بعد أن انمحت المسافات بين مجلس الشورى وكل الأمكنة فتوحدنا مع أعضاء اللجنة فى لمح

•••

 

قبل قرابة عام من الآن وبينما كان بعض من ذوى الإعاقة يعتصمون أمام قصر الاتحادية خرج علينا المستشار القانونى للرئيس المخلوع قائلا إنه رأى فيما يرى النائم رؤيا فى غير صالح المعتصمين، ويقصد بذلك إخافتهم. ثم تمر الشهور ولا تجد رؤيا محمد فؤاد جاد الله طريقها إلى الواقع، بل إنه هو نفسه ينسحب من المشهد السياسى. حتى إذا خرج مشروع دستور 2013 إلى النور وجدناه يتعامل مع قضية الإعاقة بأكثر مما فعل أى دستور من قبل. ففى مشروع الدستور يوجد رفض للتمييز بين المصريين لأسباب مختلفة منها الإعاقة (المادة 53)، ومعلوم أن ثمة مفوضية استحدثتها المادة 54 للقضاء على كل أشكال التمييز. وفى المشروع تلتزم الدولة بتوفير وسائل مساعدة لذوى الإعاقة ممن يخضعون للتحقيق أو يودعون فى السجون (المادتان 54 و55)، وهى تكفل حقوق الطفل المعاق وتؤهله بما يعيد إدماجه فى المجتمع (المادة 80)، وتخصص تمثيلا مناسبا لهذه الفئة من المواطنين فى كل من المجالس المحلية وأول مجلس للنواب (المادتان 181 و244). وأخيرا فإن الدولة تضفى وضعا دستوريا على المجلس القومى للأشخاص ذوى الإعاقة وتوجب أخذ رأيه فى المشروعات المتصلة بنشاطه (المادة 214).

فيما عدا النص الخاص بالأطفال ذوى الإعاقة والمنقول عن المادة 70 فى الدستور المعطل، فإن باقى النصوص جاءت مشفوعة بضمانات وتلك نقطة إيجابية. لكن هذا لا يمنع من التساؤل عن سبب تحديد التمثيل البرلمانى الملائم لذوى الإعاقة بأول مجلس للنواب مع عدم تكميم هذا التمثيل، أو عن سبب التعبير عن مسئولية الدولة بلفظ تعمل وليس تلتزم، بل عن عدم الاقتراب من مطلبين ملحين لذوى الإعاقة بتخصيص نسبة فى العمل والسكن.

•••

الفئة الثانية التى تعرض لها مشروع الدستور هى فئة المسيحيين التى غابت بالمطلق عن الدستور المعطل باستثناء المادة 3 الخاصة باحتكام المسيحيين واليهود لشرائعهم فى الأحوال الشخصية والشئون الدينية. تحدثت ديباجة المشروع بأبلغ ما يكون عن مبدأ الشراكة فى الوطن، فأشارت إلى احتضان المصريين السيدة العذراء ووليدها، وعرجت على استشهاد الآلاف دفاعا عن الكنيسة المصرية مع ما للفظ الشهداء من دلالة بالغة، وأكدت على دور الكنيسة الوطنية إلى جانب الأزهر الشريف فى رسم خارطة الطريق بعد 30 يونيو، واقتبست مقولة البابا شنودة الشهيرة عن مصر التى تعيش فينا. لكن إلى جانب رد الاعتبار المعنوى فى الديباجة، كان هناك رد اعتبار عملى باستحداث مفوضية لمكافحة التمييز وبالنص على التمثيل المناسب فى المجالس المحلية وأول مجلس منتخب، وهذا الجزء الخاص بالتمثيل يرد عليه التحفظ نفسه بشأن تمثيل ذوى الإعاقة من حيث عدم التكميم والارتباط بأول برلمان.

على المستوى الشخصى ظللت طويلا أقاوم فكرة تخصيص مقاعد للمسيحيين لأنى أرفض من حيث المبدأ المحاصصة الطائفية، وجاءت تجربة العراق بعد 2003 لتزيد اقتناعى بخطورة تعظيم الانتماء الدينى على حساب الانتماء الوطنى للناخب. لكن بالتدريج تغير موقفى من قضية الكوتا سواء للمرأة أو للمسيحيين، أولا بسبب تزايد اتجاهات الإقصاء والتمييز، وثانيا لأننا كنا نرفض الكوتا بينما نحث رئيس الجمهورية على مراعاتها فى تعيين الأعضاء بمجلسى الشعب والشورى، وثالثا لأنه فى المقابل النموذج السلبى لتجربة العراق يوجد نموذج آخر إيجابى تقدمه لنا تجربة الأردن بتمثيل كل من المسيحيين والشركس والشيشان. وفى كل الأحوال يمكن الاختيار والمفاضلة بين عدة وسائل بهدف عدالة التمثيل، ومن ذلك وسائل تتعلق بتقسيم الدوائر أو تصميم القوائم الانتخابية، وأخرى تتعلق بتحديد نسبة مئوية أو تخصيص عدد من المقاعد.

•••

ثم هناك ثالثا المرأة التى حبسها الدستور المعطل فى المادة 10 رغم اللغة الإيجابية عنها فى الديباجة. أما فى مشروع الدستور الجديد فلقد أكدت الدولة حق المرأة فى منح جنسيتها لأبنائها من زوج أجنبى (المادة 6) بعد أن كان سكوت المادة 32 فى الدستور المعطل ينذر بإلغاء هذا الحق. وتعهدت الدولة بكفالة مساواة المرأة بالرجل فى جميع الحقوق بما فيها حقها فى التعيين فى الهيئات القضائية لتفتح لها بذلك الأبواب المغلقة فى بعض تلك الهيئات كمجلس الدولة مثلا، كما تعهدت بالعمل على اتخاذ التدابير الكفيلة بتمثيل المرأة تمثيلا مناسبا لم تحدد نسبته فى المجالس النيابية المتتالية، وبحماية الأمومة والطفولة والنساء المعيلات والمسنات والأشد احتياجا (المادة 11). ويلاحظ أن الالتزام الأخير يتقاطع مع نص المادة 10 فى الدستور المعطل مع التوسيع والإضافة. ومن أهم الإضافات ما يتعلق بالمرأة المسنة، علما بأن المادة 83 خصصت بالكامل للمسنين. أما الإنجاز الأهم للمرأة فى مشروع الدستور فهو تمثيلها بربع الأعضاء فى المجالس المحلية (المادة 181) وحظر تجارة الجنس ومختلف أشكال الإتجار بالبشر (المادة 89) تضييقا على ظاهرة زواج القاصرات.

إن مشروع الدستور الجديد يفسح مكانا معتبرا فى المجتمع لفئات طال تهميشها تشمل إضافة إلى ما سبق شباب وصغار الفلاحين والعمال الزراعيين والعمالة غير المنتظمة، وبالتأكيد ليس هذا هو مكانها الأفضل لكنه خطوة متقدمة على طريق مازال طويلا.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات