أثار مقال الأستاذ فهمى هويدى، المنشور فى جريدة «الشروق» يوم الخميس الماضى بعنوان «فى الدعاء على العلمانيين»، جملة من القضايا المهمة التى تتصل بالجدل الدائر بين القوى الإسلامية والقوى المدنية فى مصر. وبالتالى فإن المقال تجاوز حدود واقعة دعاء خطيب مسجد القائد إبراهيم بالإسكندرية على «العلمانيين والليبراليين«، رغم أن هذه الواقعة تبدو ظاهريا هى سبب كتابة المقال، وقدم سلة من الأفكار الجديرة بالمناقشة.
●●●
الفكرة الأولى تتعلق بتشخيص ماهية القوى السياسية موضع التنافس والتى حصرها خطيب مسجد القائد إبراهيم وأيضا كاتب المقال وآخرون غيرهما فى «الإسلاميين» من جهة و«الليبراليين والعلمانيين» من جهة أخرى. ومثل هذا التشخيص يُسقط القوى اليسارية والقومية وتلك التى لا تٌحسب على الإسلاميين وإن دانت بالإسلام. كما أنه يتجاهل التداخل المحتمل بين بعض هذه التصنيفات كما يحدث فى الجمع بين العلمانية والقومية مثلا، ويتعامل مع كل تيار وكأنه كتلة صماء وهو ليس كذلك من باب أن فى داخل كل تيار يُتفَقَ على الأصول ويُختلفَ فى التفاصيل.
الفكرة الثانية تتعلق بالأوزان النسبية للقوى السياسية المختلفة. فلقد اعتبر كاتب المقال أن «الليبراليين والعلمانيين» يمثلون «شريحة محدودة بين المثقفين»، وتلك فكرة تنظر بكثير من التعالى لقطاع من المصريين من منطلق أنهم يمثلون أقلية سياسية.
وفوق ذلك فإن التوصل إلى «أقلية» الجماعة الليبرالية والعلمانية فى مصر إما أنه يتم بالاحتكام لنتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية وافتراض أن الإسلاميين هم أصحاب نسبة الـ77%. وإما أنه يتم بمجرد المشاهدة بالعين المجردة، وفى الحالتين فإن الخلاصة تكون موضع شك. إذ كيف يمكن التوفيق بين رفض وصف الاستفتاء بأنه كان على المادة الثانية بما يعنيه ذلك الرفض من أن بعض الموافقين كانوا مسيحيين ومسلمين غير إسلاميين، وبين اعتبار أن الغالبية التى قالت نعم تعد إسلامية بامتياز؟ وكيف يمكن ترجمة المشاهدة بالعين المجردة إلى مؤشرات إحصائية قابلة للقياس حتى ننتهى إلى أن أولئك فى موقع الأكثرية وهؤلاء فى موقع الأقلية؟. تأخذ حسابات الأوزان فيما يبدو وقتا أكثر مما ينبغى من نخبتنا السياسية والمثقفة!
الفكرة الثالثة هى أن الهجوم على القوى المدنية (وهذا هو المصطلح الذى أفضله لأنه يشمل كل القوى غير الإسلامية) فى الإسكندرية «كلام صدر عن فرد»، وبالتالى فإنه لا يجوز تحميله كما قال الكاتب أكثر مما يحتمل. والحق أنه لو كان الدعاء أو التحريض على الخصوم السياسيين من فوق المنبر هو عمل فرد لما التفت إليه أحد لأنه سيدخل فى باب الاستثناء الذى يطال كل قاعدة. لكننا إزاء ظاهرة شائعة رصدتها ردود القراء على مقال أستاذ فهمى هويدى نفسه بل وأوضحت انتقال منابر المساجد من الهجوم على الخصوم إلى تجنيد الأنصار. ومنطقيا فإنه ما كان يمكن لخطيب مسجد فى ثانى مدن جمهورية مصر العربية أن يدعو بما دعا إلا وقد سبقه لدعاء مماثل خطباء فى مساجد وزوايا أخرى فى الأقاليم.
الفكرة الرابعة هى ما يٌفهم من قول أستاذ فهمى هويدى إن الإسلاميين كانوا هدفا للإهانة والتشهير والتحقير والازدراء طوال السنوات الماضية، ما يٌفهم منه أن الإسلاميين وحدهم كانوا هم الذين دفعوا ثمن معارضتهم للنظام، وهذا لم يكن واقع الحال. وذلك أن وطنيين كثيرين نالهم من عَنَت النظام ما نالهم. وكمثال فإن مقص الرقيب فى جريدة الأهرام لم يكن يفرق بين مقالات أستاذ فهمى هويدى بتوجهه الإسلامى ومقالات الأستاذ صلاح الدين حافظ رحمه الله بتوجهه القومى. وفى بعض الأحيان تجاوز اضطهاد الرموز الوطنية مجرد التضييق على نشر مقالاتهم إلى تقديمهم للمحاكمة بل وتعرضهم للضرب المبرح والإلقاء بهم فى قارعة الطريق. ثم أن بعض الإسلاميين كانوا حلفاء للنظام، وبعضهم كانوا يحرمون الخروج عليه. والقصد أن شيئا من التحفظ فى التعميم يكون أفضل وهو أحفظ لوطنية العديد من المحسوبين على القوى المدنية.
الفكرة الخامسة هى أن المعتدلين الإسلاميين «كما قال الكاتب أبدوا استعدادا مشهودا لتأسيس علاقة قائمة على الفهم والتفاهم معهم (يقصد مع الليبراليين والعلمانيين) إلا أن تلك المبادرة لم يُرحب بها. وتجلى ذلك بصورة أوضح خلال الأشهر التى أعقبت إعلان نتائج الاستفتاء». والواقع أنه ربما يكون من الصعب تحديد اللحظة التاريخية التى بدأ عندها الافتراق بين القوى الإسلامية والقوى المدنية بعد أن جمعتها أيام الثورة. فقد ترتبط تلك اللحظة بتضخم شعور الإسلاميين بالنصر فى «غزوة الصناديق»، أو بعرض القوة فى منصات خطب الجمعة فى ميدان التحرير، أو بالتعدى المشين على المظاهرة النسائية عند إحيائها ليوم المرأة العالمى فى 8 مارس. قد تكون اللحظة واحدة من اللحظات السابقة وقد تكون أى لحظة غيرها، لكن ما سمعته بأذنى هو أن بعض شباب الثورة الذى تغنى برجولة الإسلاميين وشهامتهم فى يوم موقعة الجمل قد تحدث بمرارة بعد بضعة أسابيع عن سرقة ثورته.
●●●
أما أكثر ما أقلقنى فى المقال فهو عدم حماسة كاتبه لإدارة حوار بين القوى المدنية والقوى الإسلامية لأنه يرى أن «فرص نجاحه ليست متوافرة فى الوقت الراهن». أقول أقلقنى لأن بديل الحوار هو الصدام لا قدر الله، وكل ما أخشاه أن يلتقط محبو أستاذ فهمى هويدى وهم كٌثر هذه الرسالة فيبادرون بنقل خصومهم من خانة «المختلفين» إلى خانة «الأعداء».