لماذا أرفض الاستفتاء على الدستور ؟ - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:59 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

لماذا أرفض الاستفتاء على الدستور ؟

نشر فى : الخميس 13 ديسمبر 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 13 ديسمبر 2012 - 9:27 ص

كنت أتمنى وغيرى كثيرون أن نشارك فى صنع دستور بلادنا فى اللحظة التى نصطف فيها فى طابور الاستفتاء ونسقط فى صناديق الاقتراع بطاقة « نعم» ، كنا نتمنى أن نجد أنفسنا فى مواد هذا الدستور بعد أن فصلت الدساتير السابقة على مقاس الحكام ونسلهم ، لكن ذلك لم يحدث، ولم يدر بخلدى مثلاً كامرأة أن أعتبر إلغاء المادة التى تربط مساواتى مع الرجل بعدم مخالفة أحكام الشريعة، أعتبرها محققة للمساواة وكم هو ظالم أن يكون السكوت عن المساواة فى حد ذاته مساواة . أرهقتنا السجالات الدستورية على مدار الشهور الستة الماضية ، استخدمنا كل وسائل الاحتجاج السلمية ونحن نرى مصرنا التى عشنا فيها واعتدنا عليها تتسرب من بين مواد الدستور كما تتسرب قطرات الماء من بين أصابعنا. اتخذ الدستور منظومة متكاملة من الأجهزة الرقابية ، الدولة والأزهر والمجالس المتخصصة والمجتمع وكأن أزمتنا مع النظام السابق كانت أزمة فى إحكام الرقابة على ضمائرنا. فعلنا كل شئ لنقول للرئيس قف، تمهل ، نطلب الشراكة فى وضع دستورنا فلم يزده احتجاجنا إلا عناداً لا بل استخفافاً ، وإلا فماذا تسمى تطوع « محمد الصاوي» للتصويت فى الجمعية التأسيسية نيابة عن الكنائس المنسحبة؟ ... كنت أتمنى وغيرى كثيرون أن أخرج للاستفتاء على الدستور ونقول نعم ، لكن التطورات على مدار الأيام القليلة الماضية لم تدع سهماً باقياً فى صبرنا ، وأسلمتنا أو أسلمتنى أنا على الأقل إلى أن المشاركة فى جريمة الاستفتاء تواطؤ أرفض تحمل وزره.

 

●●●

 

نعرف كلنا أين تصنع القرارات الرئاسية فلا يعقل أن يتنصل أعضاء « مؤسسة الرئاسة « تباعاً من مسئولية الإعلان غير الدستورى المكمل ونستمر فى إقناع أنفسنا أن القرار يصنع داخل قصر الرئيس. لكن الجديد منذ يوم السبت الماضى كان هو اللعب على المكشوف. فى يوم واحد أطل علينا مرشد الجماعة ونائبه فتذكرت جملة قالها Christopher de Bellaigue فى مقاله The Struggle for Iran  عام 1999 ووصف بها مؤسسة المستضعفين ذلك الأخطبوط الاقتصادى وأيضاً السياسى الضخم التابع للحرس الثورى الإيرانى ، ونصها « ما أن تخطو إلى مقر قيادة المؤسسة حتى تشعر بالقوة « . أنا أيضاً عندما ظهر المرشد ونائبه شعرت بالقوة ، ها هنا تصنع قرارات مصر الداخلية وأيضا الخارجية . هذا الظهور الكثيف والمفاجئ للمُرشد ونائبه قُصد به قطع الطريق على عرض الرئيس تأجيل الاستفتاء مقابل عدم الطعن بعدم دستورية القرار . نقل لنا هذا العرض نائب الرئيس وهو من هو فى الساحة القضائية المصرية ، وأعلنه على الهواء مباشرة فى مداخلة تلفزيونية له مع إحدى الفضائيات. ثم ظهر بديع والشاطر وتأكد موعد الاستفتاء ، أما الإخراج السياسى لسحب العرض الرئاسى فكان هو التذرع بأن الإعلان الدستورى لا يسمح . يا سيدى ،إلجأ إلى الشرعية الثورية التى أطحت بفضلها بالنائب العام وحصنت قراراتك السابقة ، أعد إلى العمل الجمعية التأسيسية لمدة شهرين خاصة أنك لم تصدر قراراً معلناً بحلها ، خذ وقتك فى البحث عن مخرج دستورى طالما أنت شديد التمسك بالإعلان بدلاً من المؤتمر الصحفى الذى طالعنا عند منتصف الليل. افعل أى شئ بربك إلا أن تعاملنا معاملة الأطفال ، مع كل الاحترام للأطفال الذين أشعلت حجارتهم فى فلسطين انتفاضتها الأولى .

 

الأسوأ من اللعب على المكشوف بين الشعب وبين الجماعة هو ذلك الدفع الحثيث بدماء باردة نحو اقتتال المصريين ، التفتيش فى الانتماء السياسى لشهداء مصر فى كل مكان لمعرفة من منهم جدير بالعزاء ومن لا تجوز عليه الرحمة . وفى اليوم نفسه، يوم السبت الماضى خرج رئيس حزب الحرية والعدالة والمتحدث الإعلامى باسم جماعة الإخوان، خرج علينا الرجلان ليقولان ما نصه إن قرار نزول الإخوان إلى محيط الاتحادية كان صائباً 100 % هكذا نشرت جريدة المصرى اليوم 9/12/2012. يا الله إن كانت إراقة دماء المصريين و لو عن غير قصد ، ولو بحسن نية ، إن كان ذلك قراراً صائباً 100% فخبرونى ما هو القرار الخاطئ؟ ضعوا لى تعريفه . هذا التسابق على جثث الشهداء والتنافس على اقتسام جثامينهم يصنع مشهداً يتجاوز قدرتى على التعبير ، خارج قاموس الكلمات التى تليق به لكنه يدمينى إلى حد الجفاف . ويتواصل الاستعداد للاستفتاء تماماً كما تواصل الاستعداد للانتخابات البرلمانية فيما المصريون يتساقطون فى محمد محمود .

 

وكما أن الشهداء وحدهم هم شهداء الجماعة كذلك فإن الواقع هو واقعها ، أما نحن فخيال . متظاهرو الجماعة بمئات الآلاف لا بالملايين عديد من الملايين ، أما متظاهرونا نحن فافتراضيون أو فوتوشوب على حد ما وصفنا دكتور عصام العريان . نحن لسنا أشخاصاً حقيقيين إنما معارضون وهميون ، ولم لا متآمرون وما أكثر الحديث عن المؤامرات هذه الأيام . هل يمكن أن نطعن فى التزوير ونحن افتراضيون بل هل يمكن أن يحدث التزوير فى نتائج الاستفتاء أصلاً ونحن نتكلم عن معركة وهمية بين واقع وخيال ؟ . وفى وسط كل هذا المشهد العبثى نحن مدعوون للاستفتاء على الدستور، دستور لا مثلنا واضعوه ، ولا مواده تشبهنا ، بل هل نحن أصلاً موجودون؟

 

●●●

 

أعترف أن القرار بعدم الذهاب إلى الاستفتاء قرار بالغ الصعوبة، فأنا ومثلى كثيرون ما صدقنا أن أخرجتنا السياسة من بيوتنا بعد بيات شتوى دام عقوداً طويلة . أعترف أنى قّدمت موعد عودتى من الخارج يوماً لأكون شاهدة على الاستفتاء ، وقبل التطورات التى ذكرتها فى النصف الأول من المقال كنت أجهز نفسى لأشارك وأعترض. أما الآن ، فالمشاركة تعنى أنى ابتلعت التعديلات الشكلية التى أدخلها الرئيس على إعلانه غير الدستورى المكمل ، وتعنى أنى أوافق على أن تحدد الجماعة مسار التطور السياسى فتقول الاستفتاء فى موعده بينما إرادة الرئيس كانت تتجه اتجاهاً آخر، تعنى أن أخفض سقف المطالب أكثر فأكثر فمن المطالبة بتشكيل جمعية متوازنة، إلى قبولها على علاتها شرط التوافق على مواد الدستور ، إلى قبول مهلة الشهرين لإنقاذ التوافق الغائب، إلى اقتراح التفاوض على مشروع الدستور قبل عرضه على الاستفتاء ، إلى التعلق بوعد مناقشة التعديلات الدستورية المطلوبة بعد اكتمال تشكيل البرلمان، معقول؟ هل يصدق أحد أن المطروح فى هذه اللحظة هو تمرير الدستور ثم مناقشة تعديلاته وفى ظل شروط مانعة تستلزم موافقة ثلثى أعضاء النواب والشورى؟ إنها إعادة إنتاج رديئة للسير بالمقلوب الذى درجنا عليه منذ 11 فبراير 2011 وحتى يومنا هذا.

 

لن أذهب إلى الاستفتاء حتى لا أضفى شرعية على العملية السياسية المشوهة فسلاح المقاطعة يعنى رفض الجمعية التأسيسية ومنتجها ، لكن هذه المقاطعة تصبح بلا جدوى إذا لم تكن جماعية تهبط بنسبة التصويت إلى أدنى حد ممكن بحيث لا يصوت إلا الجماعة وحلفاؤها بنعم على الدستور الذى انفردوا بوضعه وهو ما لا يلزم البقية الباقية من الشعب المصرى.

 

 

 

أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات