فى بيتى توجد ثلاث ساعات بمواقيت مختلفة، واحدة ضوئية إلى جانب فراشى أتعمد أن أقدمها ساعة حتى أفاجئ نفسى مفاجأة سعيدة صباح كل يوم عندما أراها تشير إلى السابعة بينما تكون فعليا لا تتجاوز السادسة، على الفور يداخلنى شعور بالارتياح لأننى سأغفو لمدة ستين دقيقة كاملة قبل أن أستيقظ كالمعتاد فى السابعة وأتأهب للذهاب إلى العمل. بطبيعة الحال لا يخلو الأمر من بعض المنغصات عندما تنقطع الكهرباء ليلا فتتوقف الساعة، هنا تنشط ساعتى البيولوجية تلقائيا وتتولى مهمة إيقاظى فى وقت ما حول السابعة صباحا ويختفى عنصر المفاجأة. الساعة الأخرى فى صالة البيت وهى أثرية لها إطار خشبى وبندول، إنها الأدق، كما أنها أكثر الساعات أهمية لأنها آخر ما يقع عليه نظر أفراد الأسرة قبل أن يردوا باب الشقة من خلفهم وينطلق كل منهم إلى حال سبيله. تربينا فى الصغر على أخلاقيات معينة أهدرناها تباعا لأسباب ليس هذا موضع الخوض فيها. لكن تأمل معى عزيزى القارئ جمال المعنى فى ما كان يتحسب له الأهل من أن تجرح الضيوف ولو نظرة، ويفترضون أن كل ضيف بما أنه لبيب فسوف يفهم بالإشارة وتحرجه النظرة العابرة إلى ساعة الحائط من طرف المُضيف. بالتدريج ضعف الإحساس بالآخرين وتضاءل الحرص على اللياقة فى استقبال الضيوف، وكمثال فقبل شهرين كنا فى مجاملة لدى أحد الأقارب قبيل صلاة الجمعة، وفجأة استحثه ابنه قائلا: ألن ننزل لأداء الصلاة؟ كلنا يعرف موعد آذان الظهر وكلنا يؤدى صلاة الجمعة لكن الشاب لم يتحرج من أن يدعونا بشكل غير مباشر للانصراف، هو لم يكلف نفسه حتى عناء التطلع لساعة الحائط فلربما لم نفهم بالإشارة.
●●●
وأخيرا تستقر الساعة الثالثة على جدار المطبخ، ساعة على شكل آنية طهى نحاسية تؤدى وظيفة معتبرة خصوصا خلال الشهر الفضيل. شأنى شأن كل امرأة أخرى تداخلنى حالة توتر غريبة قبيل انطلاق مدفع الإفطار حتى لا تكاد عيناى تفارقان عقارب الساعة إلا لتعودان وتتعلقان بها. يداخلنى إحساس مضلل أن الدقائق التى تسبق رفع آذان المغرب أسرع من كل دقائق النهار، والحق أنه لا يوجد أى اختلاف بين الدقائق لكن إحساسنا بالزمن هو الذى يختلف. كم من مرة هدأت نفسى بالقول إن التأخر فى إعداد طعام الإفطار لن يتجاوز بضع دقائق على أسوأ تقدير، لكن يبدو أن التحسب للصيام بعد رفع الآذان له وقع شديد الأثر. أبتسم فى داخلى وأنا أذكر كيف عاندتنى ساعة المطبخ كثيرا عندما تلكأت عقاربها بسبب الأبخرة المتصاعدة وسخونة المكان لا فارق كبيرا فى هذا بين ساعة صينية الصنع أو كورية، فأتمتم فى اللحظات الحرجة: كله إلا هذا! أحيانا تكون صعاب الحياة اختراعا ذاتيا لا أكثر.
●●●
التنقل من غرفة إلى أخرى داخل البيت ينقلنى من زمن إلى آخر بفعل الظروف التى تتحكم فى مواقيت الساعات، وهذا فى حد ذاته إحساس غير مريح بالمرة. أكثر من ذلك فإنه فى بعض الأحيان لا أحتاج حتى إلى مغادرة الغرفة ليختلف إحساسى بالزمن، ففى أى استخدام لوسائل الاتصال الحديثة كالفايبر وسكايب يمكن أن أعيش الليل والنهار فى اللحظة ذاتها، وقد أبذل جهدا خاصا لأقنع نفسى بأن أخبارى الصباحية لم تعد بالنسبة للطرف الآخر على الخط أخبارا قديمة لأننى فى الوقت الذى أنهى فيه يومى تشرق لديه هو شمس يوم جديد. لكن الحديث عن الساعات داخل الشقق والغرف المغلقة كوم وما يحدث عند الانتقال إلى المجتمع الأوسع كوم آخر تماما. فكلما زاد قبح الواقع لجأ عدد متزايد منا إلى تأخير ساعاتهم الذهنية وتوقفوا بعقاربها عند فترات زمنية سابقة يرونها ملهمة لقيم متنوعة كالتقوى أو الحرية أو القوة، ولأن التاريخ وجهة نظر والأحكام نسبية فهناك من يضبطون أوقاتهم على صدر الإسلام أو على الحقبة الليبرالية المصرية أو على فترة المد القومى العربى، ومع أنه من الجيد أن تتعدد النماذج واليوتوبيات إلا أنه فى غياب نظرنا جميعا إلى ساعة الوطن بقيمه وأولوياته وظروفه يصبح ما يسمى بمخاض المرحلة الانتقالية أمر بلا نهاية منظورة.