ولما كان يوم 28 يناير - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:59 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

ولما كان يوم 28 يناير

نشر فى : الخميس 24 يناير 2013 - 8:15 ص | آخر تحديث : الخميس 24 يناير 2013 - 8:15 ص

أن تُتابع اندلاع أحداث اليوم الأول للثورة وأنت خارج وطنك فتلك تجربة تستحق أن تُروى لأن فيها إحساسا بالعجز والقلق والترقب وجلد الذات، لكن أيضا فيها فرصة لتقرأ فى عيون الآخرين كيف ينظرون إلى شعب يثور. وهذا البلد بالذات أى لبنان الذى حللت قبل بضعة أيام من الثورة كنت قد عشت فيه من قبل إحساسا مريرا بالخزى وأنا أمر ذات يوم من أيام شهر أغسطس 2006 باثنين يتناقشان فى السياسة ويذمان فى بلدى لأنه اختار أن يقف ضد المقاومة، ويدين « مغامرة» حزب الله باختطاف جنديين إسرائيليين وما تلا ذلك من عدوان. هكذا قدر لى أن أمر بلبنان فى لحظة خزى لمصر ثم أعود لأمر به فى لحظة عزة، واللحظتان معا فارقتان فى تاريخ البلدين والمنطقة برمتها.

 

•••

 

فى يوم 28 يناير 2011 كنت فى اجتماع فى أحد المراكز البحثية الكبرى، ولم تكن قد مضت سوى ساعة واحدة على بدء الاجتماع عندما أخَذَت الأنباء تتوارد عن تطور الأوضاع على نحو خطير فى مصر. حاولت الاتصال بالقاهرة مرة ومرات وفشلت، إذن تحققت الأنباء التى كانت تحذر من قطع الإرسال والإنترنت لمنع المتظاهرين من الحشد والتعبئة. إحساس أقرب إلى الجنون وأنت تعيش دقائق معزولا عن بلدك بينما يجرى فيها شئ كبير لا تعرفه ولا أفق معلوما له، وفجأة امتدت يدان بمحمولين كى أجرب منهما الاتصال بالقاهرة لعل وعسى. المحمولان كانا لزميلين سعوديين مشاركين فى الاجتماع، تصورا أن الاتصال الدولى من هاتف غير مصرى على هاتف أرضى فى القاهرة قد ينجح فى اختراق الحصار، وقد كان، وجاءنى لأول مرة صوت من بلدى بعد طول انتظار. تلك اللقطة الإنسانية لن أنساها قط، لن أنسى أيضا كيف رفض أحد الزميلين فى إباء أن أعيد إليه محموله وحاول أن يخفف عنى قائلا: هذا المحمول نذرته للإخوة المصريين ما أن ألتقى بهم حتى أضعه تحت تصرفهم، فما بالك ومصر فى شِدةّ؟ لم يخفف عنى الرجل لكنه أبكانى بحرقة، نعم مصر فى شّدة، وهو أيضا عرف معنى الشِّدة حين اعتقل وسُحِب جوازه ومُنع من السفر بعد العدوان على العراق. كان قد تصور فى حينه أن الحديث عن الإصلاح السياسى له سند وأصل، ثم تبين أنه للاستهلاك الإعلامى. اليوم نحن نقارن الإصلاح السياسى فى السعودية بالتخبط فى مصر ووضع المرأة هناك بوضعها هنا، هل هذا معقول؟

 

انفض الاجتماع مبكرا، فقد خيّم الحدث المصرى على المشاركين من مختلف الأقطار العربية وفرض عليهم متابعته لحظة بلحظة، بدا لى كما لو أن كل واحد منهم يحاول أن يقرأ فى كف مصر مستقبل التطور السياسى فى بلده، فالشرارة الأولى وإن انطلقت من تونس إلا أن التأثير الحقيقى يبدأ من مصر. فى الطريق إلى الفندق كانت كل المحال والمقاهى تثبت مؤشرات تليفزيوناتها على بث مباشر من القاهرة، فالفندق والمركز يقعان فى قلب بيروت الغربية معقل نفوذ الطائفة السنية بشكل عام وتيار المستقبل الذى يتزعمه سعد الحريرى بشكل خاص، وهذه المنطقة محسوبة سياسيا على ما كان يُعرف فى حينه بمحور الاعتدال الذى تشكل من السعودية ومصر والأردن. وبالتالى فإن الاهتمام بمجريات الأمور فى مصر مرده وزنها الإقليمى هذا صحيح، لكن مبعثه أيضا المردود السياسى لما يحدث فى معسكر الاعتدال على لبنان الذى كان يشكل جزءا من معسكر الممانعة مع كل من قطر وسوريا وإيران.

 

تسمرت فى غرفتى أمام شاشة التلفزيون وشاهدت ألسنة اللهب المنبعثة من قلب القاهرة تحوله إلى كرة من النار بالمعنى الحرفى للكلمة، توحدت مع المشهد بالكامل إلى حد أحسست معه بالنار تمسك بثيابى والأثاث. أتانى صوت خالد يوسف جزعا صارخا أن انقذوا المتحف المصرى من الحريق، يارب كله إلا المتحف ذاكرة مصر ومستودع خبيئة الأجداد وسرهم الذى حار فيه العالم أجمع، كله إلا المتحف، يارب كن مع مصر فى شدتها، أنر للثوار بصيرتهم واحمهم. اكتشفت أنى استخدمت لفظ ثوار لأول مرة، وبدت لى الساعات الفاصلة بينى وبين موعد طائرة الصباح كأنها دهر كامل، بل هى دهر فعلا. كانت الجزيرة هى القناة الأنفذ إلى الحدث والأوسع تغطية له، التقطت أذنى قرب الساعة السابعة مساء وصف مدير مكتبها النظام المصرى بأنه « النظام البائد»، لم يكن قد باد بعد، لذلك تدارك الرجل مسرعا وقال « البائد بإذن الله «. فى هذا الحديث انحياز سياسى لا شك، لكنه فى حينه كان انحيازا للثورة لذلك كررتُ وأظن مثلى كثيرون معه دعاء يارب، لاحقا حين اصطفت القناة تيارا بذاته ووقفت من خلفه ظالما ومظلوما صار انحيازها طائفيا لا وطنيا، لذلك لم أعد أدير مؤشرى عليها إلا لماما، وساعدنى الظهور القوى للفضائيات المصرية بعد الثورة على أن أعزز هذا الشعور بالاستغناء. فى لبنان أيضا كانت الجزيرة المصدر الأساسى لأخبار تلفزيون المنار التابع لحزب الله حتى مارس 2011، ففى هذا التاريخ اندلعت الثورة السورية ودعمتها قطر بجزيرتها ودبلوماسيتها فابتعد عنها حزب الله، واختفت القناة من باقة الفضائيات فى العديد من فنادق لبنان، فهل ثمة قرار غير معلن من حزب الله بمقاطعتها؟ الله أعلم.

 

•••

 

منَ كان يشاهد الأحداث عن بٌعد كان يتصور أن مصر تحولت إلى ساحة حرب، ولم يكن بقادر على التمييز بين الجزع الحقيقى لمواطنين عاديين مثلى ومثلك من انطلاق شياطين الإنس تعيث فسادا فى كل أرجاء الوطن، وبين الجزع المصنوع بواسطة النظام لترويع الناس وإلزامهم منازلهم. ومثل هذا الاختلاط بين الوهم والحقيقة كان سببا إضافيا للشعور بالعجز، حتى إذا ظهر علينا مبارك عند منتصف الليل متباطئا مستخفا بدأت تشيع قناعة مؤداها أن مصر باتت على طريق تونس.

 

فى انتظار الطائرة كنا نحو عشرين شخصا لا أكثر، كان على رؤوسنا الطير، لا كلمة ولا تحية متبادلة، عيون مُسهدة لم يغمض لها جفن، وملامح متجهمة تخفى وراءها قلقا كبيرا. وعندما فحص المسئول اللبنانى جواز سفرى سأل باستغراب: عائدة إلى القاهرة؟ هززت رأسى بالإيجاب، لكن الرجل لم يكن يطلب إجابة من هذا النوع فأنا على باب طائرة وجهتها القاهرة فلا محل إذن للاستفسار، الأرجح أنه كان يسأل مشفقا، وكان لا يتصور أن يقصد أحد القاهرة فى هذا الظرف الدقيق. نسى الرجل فى غمرة إشفاقه أن الشعب اللبنانى تأقلم مع ظروف الحرب الأهلية والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة والاستقطاب السياسى العنيف إلى حد جعل عدم الاستقرار سمة لبنانية بامتياز. خطوت أول خطوة فى الممشى المفضى إلى الطائرة ومن بعدها إلى ميدان التحرير، ثم كان ما كان.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات