ملاحظات على استقالة الحكومة - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 12:04 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

ملاحظات على استقالة الحكومة

نشر فى : الخميس 27 فبراير 2014 - 2:35 م | آخر تحديث : الخميس 27 فبراير 2014 - 2:35 م

أثارت مجددا واقعة استقالة حكومة الدكتور حازم الببلاوى التساؤل عن آلية صنع القرار فى النظام السياسى المصرى، فكما لم يُخطر بعض الأعضاء فى هذه الوزارة باختيارهم لعضويتها قبل عدة أشهر لم يعلم آخرون باستقالة رئيس الوزراء وبالتالى باستقالتهم بينما كانوا يؤدون مهام رسمية خارج البلاد. المفاجأة كانت تامة، فقبل يوم من استقالة الحكومة كانت برامج التوك شو فى الفضائيات المصرية تتحدث عن تعديل وزارى محدود يشمل وزارتين أو ثلاث وزارات على الأكثر. لا بل إن رئيس الوزراء نفسه له تصريح منشور فى المصرى اليوم صباح يوم الاستقالة نفسه أى يوم الاثنين الماضى قال فيه ما نصه «لا مشاورات حول التعديل الوزارى حتى الآن». وفى المتن حديث عن إنجاز الحكومة فى مجال تسديد المديونية لشركات النفط الأجنبية وما ترتب على ذلك من عودة تلك الشركات للعمل بعد أن توقفت عنه. إذن كل المؤشرات كانت تقول إنه لا تعديل وزاريا واسعا، ولا عجلة فى شغل الحقائب الخالية، فماذا حدث ليؤدى لاستقالة الحكومة بكامل أعضائها؟

•••

فى غياب الشفافية تنتعش الشائعات، البعض قال إن المقصود هو تهدئة الرأى العام وإرجاء المطالب الفئوية التى تفاقمت بشكل خطير فى الأيام القليلة الماضية، لكن هذا الحل مجرد مسكن بحيث إنه ما لم تتميز الحكومة الجديدة بالشفافية وتحديد أولويات الاستجابة لتلك المطالب فى حدود موارد الدولة وإمكاناتها، وما لم تتحل الحكومة بالشجاعة فى مواجهة الواقع وتطلب من الجميع مشاركتها فى تحمل مسئولية هذه الفترة الانتقالية الصعبة فإن الحكومة الجديدة ستلقى مصير سابقتها. البعض الآخر قال إن استقالة الحكومة جاءت بمثابة إخراج كريم لوزير الداخلية من المشهد السياسى بعد سلسلة الأعمال الإجرامية التى كشفت عن تقصير أمنى فادح، لكن ماذا لو استمر محمد إبراهيم فى منصبه وقد استبعدت بورصة الترشيحات بالفعل أن يغادر إبراهيم الحكومة مع المغادرين؟ وهل يمكن التضحية بكامل الحكومة قبيل إجراء الانتخابات الرئاسية التى سيتلوها حتما تشكيل حكومة جديدة، هل يمكن التضحية بها من أجل وزير عليه مآخذ كثيرة؟ أما ارتباط استقالة الحكومة بترشح المشير السيسى فمن قبل هذه الاستقالة وهناك تسريبات عن نية السيسى البقاء فى منصبه لحين صدور قانون انتخابات الرئاسة لسبب لا يعلمه إلا الله.

لا يقل أهمية عن سؤال لماذا الاستقالة السؤال عن صانع قرار الاستقالة، فالمصاعب الجمة والحقيقية التى عَدَدها رئيس الوزراء على المستويين الأمنى والاقتصادى وضمنها بيان استقالته لم تكن غائبة عنه بالتأكيد حين أدلى بتصريحه للمصرى اليوم الذى سبقت إليه الإشارة، فلو أنه كان ينوى الاستقالة لبدرت منه أمارة لكنه بالعكس أعطى انطباعا بأن حكومته تؤدى دورها بشكل طبيعى، فمن صنع قرار الاستقالة؟ إن من حق هذا الشعب أن يعرف، ومع كل التقدير لأولئك الذين ابتهجوا لاستقالة الحكومة فإن ملابساتها تصطدم بديباجة الدستور التى تنص على الإيمان بالديمقراطية طريقا ومستقبلا وأسلوب حياة، ولا ديمقراطية بدون شفافية. كما أنها تخل بالمادة 68 من الدستور التى تنص على أن المعلومات والبيانات ملك للشعب، هذا إذا كنا نحرص على علاقة الدستور بالواقع.

•••

إن هناك مأخذين أساسيين على حكومة الدكتور الببلاوى، الأول هو البطء فى اتخاذ القرارات وتجلى ذلك أوضح ما يكون فى التعامل مع اعتصامى رابعة والنهضة، فلو أن الأمر تم تداركه من البداية لما استفحلت المشكلة وتعقدت فى بؤرتى الاعتصام. والمأخذ الثانى تمثل فى التردد والتخبط، وهناك العديد من الأمثلة ذات الصلة من أول الموقف من جماعة الإخوان وهل هى إرهابية أم لا، مرورا بتجميد أموال 1055جمعية أهلية، وانتهاء بإلغاء قرار وزير الرياضة بحل مجلس إدارة النادى الأهلى. فى تفسير هذا التخبط والتناقض، قال لى مسئول كبير إن الحكومة الحالية هى عبارة عن مجموعة من الوزراء، يقصد بذلك أنه لا تنسيق بينهم بحيث يتخذ كل منهم قراراته فيما يخص مجاله دون ارتباط بسياسة عامة للحكومة أو تبصر بأثر قراراته على القطاعات والمجالات الأخرى. ويذكرنى هذا التحليل بوضع المريض الذى يتناول أدوية مختلفة ترتب آثارا متناقضة وأحيانا ضارة على جسده فى غياب التشاور بين فريق الأطباء المعالج بحيث يطيب عضو ويصاب آخر.

•••

لكن للأمانة أيضا فإن هذه الحكومة كانت منذ تشكيلها فى مرمى المدفعية الإعلامية الثقيلة. وبالإضافة إلى عدم التنسيق بين أعضائها فقد انعكست عليها تقلبات النخبة وتناقضاتها، هذه النخبة التى طالبت الحكومة بأقصى درجات الشدة فى التعامل مع المظاهرات العنيفة وفى الوقت نفسه ثارت على قانون التظاهر، وضغطت لوضع حد أدنى للأجور ثم انتقدت اللا مبالاة بصعوبة الظرف الاقتصادى للبلاد. وفوق كل هذا هناك المخطط الإخوانى الشيطانى الذى انتقل من الاعتماد على أسلوب التظاهر إلى الاعتماد على أسلوب الإضراب إذ لا يعقل أن يتداعى للإضراب سائقو النقل العام وموظفو الشهر العقارى والبريد والأطباء والصيادلة وأمناء الشرطة وعمال الغزل والنسيج فى وقت واحد بمحض المصادفة. لا يعقل أن تبلغ مطالبة أحد القطاعات بزيادة شهرية فى دخل أفرادها تصل إلى 400 جنيه دفعة واحدة إلا أن يكون هناك من يزين ويحرض ويروج لعدالة المطلب والقضية.

ذهبت حكومة الببلاوى وقد كان فيها وزراء عملوا بكل إخلاص وتفانٍ، عرفت بعضا منهم عن قرب وربطتنى بهم عشرة سنين، ولا أدرى وهم يغادرون مناصبهم هل أهنئهم على النجاة من سيل التجريح والاتهامات الظالمة التى تجاوزت كل عقل، أم أذكرهم بأنه لا كرامة لنبى فى وطنه؟

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات