أراد الدكتور مرسى أن يمسك العصا من المنتصف بأن يثبت اتباعه نهجا يختلف عن نهج سابقه فقام بأول زيارة من نوعها لرئيس مصرى لإيران منذ عام 1979، وأعلن من قلب طهران إيمانه بحق الشعوب فى امتلاك التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية وهو المطلب الذى تثبت عليه إيران ونوه إليه المرشد فى خطاب قمة عدم الانحياز أما السلاح النووى فإنه اعتبره «خطيئة كبرى».
لكن فى الوقت نفسه، أراد مرسى أن يطمئن دول الخليج والقوى السلفية داخل مصر إلى أنه واعٍ بهواجسها متحسب لها فكان أن ألقى خطابا ملغوما بتأكيد ما هو مؤكد والسكوت عما كان يجب الإفصاح عنه. بدأ مرسى خطابه بالبسملة والصلاة على رسول الله وآل بيته وصحبه وهذا معتاد. لكنه تزيد فذكر بالاسم ساداتنا «أبو بكر وعمر وعثمان وعلى»، وهذا لا نظير له فى أى تقاليد سابقة، ولا معنى له إلا أنه أراد تأكيد هويته السنية فى معقل الطائفة الشيعية، وما كنا نحب لرئيس الجمهورية أن يُستَدرج إلى هذا الفخ تحت مسمى مقاومة المد الشيعى. لسنا دعاة مبارزة لا بين الأديان ولا بين المذاهب، وذِكر الخلفاء الراشدين فى خطاب مرسى لن يزيد فى تأكيد سنيته ويضر بمساعى التقارب بين المذاهب.
أما المسكوت عنه فهو عدم الإشارة إلى إجحاف العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران والتى تمثل هاجسا عظيما بالنسبة لها، وقد بدا هذا المسكوت عنه غريبا بالمقارنة بإشارة مرسى إلى إجحاف الحصار المفروض على كوبا ووجوب رفعه عنها، وأيضا على ضوء إقرار مرسى بحق الشعوب فى امتلاك تكنولوجيا نووية، فمن المعلوم أن سلاسل العقوبات المفروضة على إيران تهدف إلى إثنائها عن امتلاك التكنولوجيا النووية.
أما أقوى فقرات الخطاب فكانت تلك المتعلقة بفقدان النظام السورى شرعيته السياسية، وبوجوب التضامن مع الشعب السورى ودعم مطالبه فى الحرية. وإن لم أحبذ أن يجعل مرسى هذا التضامن من قبيل الواجب الأخلاقى والضرورة السياسية، فالواجب الأخلاقى تعبير محايد تقوله فرنسا لا مصر، والضرورة السياسية تنبع من المصلحة التى تحرك الولايات المتحدة أما مصر فتحركها وشائج العروبة التى فيها تكمن المصلحة، أو هكذا يفترض. وأخيرا أكد مرسى على بعض مطالبات النظام السابق. المتعلقة بإخلاء المنطقة من الأسلحة النووية ومختلف أسلحة الدمار الشامل وعلى حق الشعب الفلسطينى فى تقرير مصيره، وعلى ضرورة توسيع صلاحيات الجمعية العامة، وجميعها نقاط موضع اتفاق بين مصر وإيران.
فى المحصلة الأخيرة أتصور أن الخطاب أثار قلق الإيرانيين، وجعل المسارعين إلى تصور أن علاقات مصر بإيران ستعود فورا يتريثون فى أحكامهم القطعية لأنه لا شىء مؤكدا فى السياسة.