هى صدفة سعيدة تلك التى جعلتنى أستمتع مساء الخميس الماضى فى عيد الأم ببعض أندر منتجات تراثنا الموسيقى البديع. كان لى عتب شديد على محطة أم كلثوم التى تحولت لاحقا إلى محطة الأغانى وفقدت شخصيتها المميزة من عامين أو أكثر قليلا. أما قبل هذا التاريخ فكانت المحطة صندوقا حاضنا للذكريات النفيسة يفتح قفله فقط من يدير مؤشر الراديو على تردد 105.8 ليهرب فيه من واقعه ويتواصل مع صوت يأتيه من الماضى حاملا صورا وعطورا وأشخاصا نفتقدهم ونحن إليهم. الآن فعل الزمان بمحطة الأغانى ما فعله بكثير من الأشياء الجميلة فى حياتنا، فزحف الغناء الجديد على تراث الطرب، وتخللت الأخبار والإعلانات الفواصل بين أغنية وأخرى، أما مهنية مقدمى الأغانى فحدث عنها ولا حرج. وعندما فاجأتنى محطة الأغانى يوم 21 مارس بأغنية «ده بأف مين؟» التى كتبها بديع خيرى ولحنها سيد درويش عام 1919، هبت نسمة ندية على ليلتى ولم أدرِ أكان اختيار الأغنية مقصودا ليماشى المناسبة أم كان اختيارا عفويا لا علاقة له بعيد الأم، فى الحالتين فإن البادرة كانت طيبة. تقول كلمات الأغنية :
ده بأف مين اللى يألس
على بنت مصر بأنهى وش
و النبى يجرى يتليس
ماطلع كلامه طظ فيش
يا سيدى إنت
البنت تفضل محبوسة
قال جوه بيتها يكون أظبط
بدال ما تفضل تتنطط
العفو العفو
اتفوا عالجهل ميت تفة
يالا نكسر وراه شقفة
من تعليمنا أهلنا خايفة
واقعين ليه من قعر القفة
يا سيدى إنت
●●●
حين تبحث عن السياق التاريخى لهذه الأغنية ستجد أنها وردت لأول مرة فى مسرحية « قولوا له» التى عرضتها فرقة نجيب الريحانى لأول مرة فى مايو عام 1919، ولأن المسرحية كانت لها إسقاطاتها السياسية فى وقت ماجت فيه مصر بحركة نضال وطنى فتية قام مدير الأمن العام «مستر هورنيلو» بمصادرتها. ولم يتم تحرير المسرحية وأغانيها إلا بعد أن أذعنت بريطانيا لمطالب الشعب، وتُوج سعد زغلول زعيما للأمة وبدأ الطريق الذى أفضى إلى إنهاء الحماية البريطانية على مصر وإصدار دستور 1923. تعاقب على إنشاد « ده بأف مين؟ « سيد درويش وسيد مكاوى، وحاليا تنشدها فرقة إسكندريللا وعن طريقها ذاعت على نطاق واسع بين الشباب.
●●●
تأمل كلمات الأغنية وأيضا سياقها واستنتج ما تشاء فقط مع رجاء اهتمامك بأمور ثلاثة أساسية،الأمر الأول أن مسرحية « قولوا له» التى ضمت أغنية «ده بأف مين؟» هى نتاج تفاعل مصرى عربى بين بديع خيرى وسيد درويش من جهة وبين نجيب الريحانى الذى ينحدر من أب عراقى من جهة أخرى، وهى أيضا ثمرة لحمة وطنية بين عنصرى الأمة حتى أن ثنائى بديع ونجيب كان أعظم دويتو مسرحى فى الثلاثينيات والأربعينيات، ومن ذا الذى ينسى تغنى بديع خيرى بالقول: «اللى أوطانهم تجمعهم عمر الأديان ما تفرقهم»، الآن هم يجردون مصر من قوتها الناعمة بتجفيف منابع الفن وتقييد الإبداع، والأخطر أنهم يفككون سبيكتها الوطنية ويبثون الحقد والبغضاء بين مكوناتها ثم يعودوا ويتباكون على الأمن والاستقرار. الأمر الثانى أن القضايا التى فتحناها فى مطلع القرن الماضى وتتعلق بحق البنات فى الخروج والتعليم ها قد عدنا لنقلب أوراقها بعد نحو مائة عام بانغلاق وتشدد لا يوصف. هل كان يصدق أحد أننا بعد كل هذه السنين سنجد من يعتبر خروج المرأة مبررا للتحرش بها وإيذائها؟ هل كان يتوقع أحد بعد كل المياه التى جرت من تحت الجسور أن تعلو الأصوات الداعية لتزويج القاصرات فنحتشد فى المقابل للدفاع عن حق البنت فى أن تتعلم وتنضج وتختار من يقاسمها العيش والعاطفة؟... لا يصدق أحد ولم يتوقع أحد لكنه يحدث. أما الأمر الثالث فهو أن أغنية « ده بأف مين؟» جاءت فى سياق ثورة 1919 التى أخرجت النساء فى مظاهرات حاشدة وفتحت الباب أمامهن واسعا للاندماج فى المجتمع، ثم قيض الله للحركة النسائية أن تتوج بنضال امرأة مثل هدى شعراوى. أما الجدل العبثى الدائر حول المرأة وحقوقها هذه الأيام فإنه يأتى بعد ثورة شاركت النساء فى إطلاقها فانقلبت عليهن ونادت بتهميشهن وطعنت فى شرفهن واتهمتهن بأنهن لا يحسن حتى الرضاع، فأى «بأف» هذا الذى يتصور أنه قد يحبس نساء مصر؟