السكرية.. نجيب محفوظ - محمود قاسم - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 12:55 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

السكرية.. نجيب محفوظ

نشر فى : الجمعة 4 أبريل 2025 - 6:40 م | آخر تحديث : الجمعة 4 أبريل 2025 - 6:40 م

العبقرية المؤكدة فيما أبدع نجيب محفوظ أنه كان يعرف أبطال كتاباته بشكل جيد ويحبهم ما أتاح له أن يقوم بوضع كل منهم على خريطة الكتابة وجعلنا نشعر بالمشاعر نفسها تجاه هؤلاء الأشخاص سواء الرئيسة منهم أو الثانوية لذا صار أحمد عبدالجواد أكثر شهرة من شخصيات كثيرة عاشت فى الواقع، وينطبق الأمر أيضا على سعيد مهران، وعيسى الدباغ، والجبلاوى.. وغيرهم. وقد اكتشفت هذا المفهوم قريبًا للغاية بعد أكثر من 60 عامًا من الشغف والتعامل مع مؤلفات محفوظ أى وأنا صبى فى الثانية عشرة وكان هو مؤلفى المفضل وظل بهذه الدرجة حتى الآن .
أكثر من نصف قرن هى المساحة الزمنية بين المشاهدة الأولى لفيلم السكرية إخراج حسن الإمام عام 1973 وبين الأمس حين تابعت الفيلم من جديد وعدت مرة أخرى إلى عالم السيد أحمد عبدالجواد بقناع يوسف شاهين وكنت قد تابعت بشغف شديد أداء العبقرى يوسف وهبى قبل شهرين فى إذاعة صوت العرب حين جسد هذه الشخصية فى مسلسل قدير رأيت أنه تفوق على كل من جسد هذه الشخصية، إنها امتحان بالغ الدقة لكل من يقترب منها وأعتقد أن المؤلف قد عرفها جيدًا وتسربت فى إبداعه كله وليس فقط الثلاثية فهو يتكرر أيضا فى شخصيات أخرى منها الجبلاوى، وصابر الرحيمى، وعائلة عاشور.. وغيرهم.
وفى فيلم السكرية، فإن مساحة الأفراد قد تعاظمت بشكل ملحوظ ونلاحظ أن الفيلم يضم أكبر عدد من النجوم فى فيلم مصرى. هذه الأسماء لم تجتمع أبدا فى أى فيلم آخر ولأن نجيب محفوظ يجيد التعبير عن كل شخصية فإن نسيج هذا العمل فى الرواية يفرض على كاتب السيناريو أن يلتزم بالنص وقد اجتهد حسن الإمام مع الكاتب ممدوح الليثى فى وصف عالم السكرية خلال الأربعينيات فى الأيام الأخيرة من حياة عبدالجواد وقد صار رجلاً عجوزًا بعد أن أصابته الشيخوخة وكذلك النساء اللائى صنعت له المتعة فى شبابه وبدا ذلك حين التقى بواحدة منهن وقد باعت كل ما لديها من أجل الإدمان وصارت حطام امرأة فى هذا الزمن. لم يعد لعبدالجواد مجد وإنما انتقل الأمر إلى الجيل التالى والثالث ابتداءً من ابنه الأصغر كمال الذى تخرج فى قسم الفلسفة وعمل مدرسًا وتحول إلى أب روحى للعائلة التى أنجبت الكثير من الشباب انتشروا فى الوظائف وصعد أغلبهم إلى قمم وظيفية مثل رضوان، وفى هذا العالم صارت المرأة أكثر قسوة وتوحشًا من الست أمينة. كان هناك ياسين الذى تطارده غريزته حيث بدأ الفيلم به وهو يغازل امرأة دون أن يرى وجهها فإذا به يغازل شقيقته الكبرى خديجة التى سخرت منه ومن زوجته زنوبة دون أن يعرف أن زنوبة هذه كانت يومًا ما عشيقة للأب فى بداية حياتها قبل أن تتزوج من الابن.
لقد عزف محفوظ على ظاهرة المحرمات بكل جرأة كما أنه رأى التاريخ الاجتماعى والسياسى لتلك الحقبة، وتعرفنا على شباب اعتنقوا الشيوعية ودافعو عنها وفى نفس العائلة كان هناك شباب آخرون من الرعيل الأول من الإخوان المسلمين، إنها نفس العائلة التى تنجب أفكارًا متنوعة. وقد بدا كمال صامتًا أغلب الوقت لا يفكر سوى فى نفسه، فحين التقى بالشقيقة الصغرى لحبيبته القديمة التى صارت مدرسة مثله، لم يكف عن السؤال عنها ما جعل الفتاة الصغيرة تنفر منه وتهجره، وهكذا فإن مدرس الفلسفة فشل أكثر من مرة فى الاستحواذ على قلب فتاة من الأسرة الكريمة كما رفضت التعامل معه العاهرة فى الماخور الذى كان يتردد عليه أحيانا، وفى هذا العالم أيضا هناك وكيل النيابة ابن العامل الذى عمل لسنوات طويلة فى عطارة عبدالجواد لقد صار الآن شابًا وسيمًا يفكر بمنطق وظيفته ولا يقبل أن يقترن بأسرة عبدالجواد التاجر الثرى، وفى الفيلم اختفت الست أمينة لأسباب فنية خاصة برحيل آمال زايد كما أن الأسرة كلها بكت سيدها.

التعليقات