أمسك رأسك يا أخى - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 12:02 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

أمسك رأسك يا أخى

نشر فى : الخميس 7 يناير 2010 - 10:09 ص | آخر تحديث : الخميس 7 يناير 2010 - 10:09 ص

تعقبها الطالب المجتهد فور انتهاء المحاضرة وألقى عليها بالسؤال التالى: أريد أن أعرف يا دكتور هل الجدار الذى تبنيه مصر على حدودها مع غزة خطأ أم صواب؟ ردت على سؤاله بسؤال: خطأ بأى معنى وصواب من أى زاوية؟ فقال شارحا: أعنى من وجهة نظر الأمن القومى المصرى. لاحظ هنا أن هذا الطالب عَبَر عن حيرته ما بين الخطأ والصواب وليس ما بين الحلال والحرام، فهو لا ينتمى لأى من التيارات الدينية المعروفة، والحق أنه لا ينتمى لأى تيار بالمطلق لا يمين ولا يسار ولا قومى، وهو ليس عضوا فى أى من الأحزاب السياسية التى تعد صراعاتها أبرز أنشطتها. إنه مستقل مثل الغالبية العظمى من الطلاب وإن كان لا يعرف بالضرورة أنه يصنف سياسيا كمستقل، فهو فى حاله بالتعبير الدارج لم يوظفه أحد ولا حركه أحد، لكن هذا لا يمنع أبدا أنه يقلق على أمن بلده ويسأل إن كان ثمة خطر عليه.

لفت نظرها أن الطالب أَسَر إليها بسؤاله اعتقادا منه أنه سؤال ساذج، وأن مثله ينبغى أن يملك رأيا واضحا فى موضوع بأهمية موضوع الأمن القومى المصرى. لم يعرف الطالب أن سؤاله إنما يلخص أزمة جيل كامل تنهال على عقله التأويلات والتأويلات المضادة ولا يملك الخبرة التى تؤهله لأن يفرز بينها ويختار. «ماحدش عارف حاجة» جملة تنتشر على زجاج سيارات الميكروباص فى العديد من أحياء القاهرة، ولا أبلغ منها فى التعبير عن حيرة هذا الطالب بل وحيرتنا جميعا خصوصا فى مناسبة كمناسبة مرور عام على عدوان غزة. ففى هذه المناسبة تبدو الأوراق شديدة الاختلاط والأدوار مذهلة التوزيع، وما لم يمسك المرء برأسه بين يديه فلن يخامره شك فى أن ما يدور حوله هو محض خيال.

نشطاء أوروبيون، وبعضهم يهود، أصولهم عربية وآرية وأنجلوساكسونية وأخرى غيرها تركوا أسرهم وذويهم واختاروا أن يقضوا أجازة عيد الميلاد بين أطفال غزة. هل ما زال بعد فى غزة أطفال أم أن قسوة الاحتلال جعلت الطفولة ترفا لا يعرفه أبناؤها؟ لننظر إلى شهادات أبناء غزة بعد عام من العدوان لنتبين إجابة السؤال. بعض الناشطين الأوروبيين ركب البحر ليضخ فى أرض القطاع المحروقة شريانا للحياة، والبعض الآخر شد الرحال جوا ليطلق مسيرة عنوانها «الحرية لغزة» فتعثر أولئك وهؤلاء.

أجبرت السلطات المصرية قافلة شريان الحياة على أن تتحرك للخلف دُر من ميناء نويبع إلى ميناء اللاذقية، ولم ترخص إلا لبضع عشرات من أصل 1362 مشاركا فى مسيرة الحرية لغزة باجتياز معبر رفح. فمن الذى يعرض أن يمنح ومن الذى يتصدى فيمنع؟ تلك لقطة أولى. فى اللقطة الثانية يفترش بعض ناشطى المسيرة الطريق إلى السفارة الفرنسية فى القاهرة، بينما يتحرك البعض الآخر فى مظاهرات متنقلة من ميدان التحرير إلى نقابة الصحفيين إلى مركز التجارة العالمى إلى أهرامات الجيزة إلى السفارة الإسرائيلية فيحيط بهم الأمن المصرى من كل صوب ويشتبك معهم ويلتحم بهم. فمن الذى يعتصم ويتظاهر ومن الذى يحاصر ويضرب؟ فى اللقطة الثالثة يخرج علينا حاخام من جماعة «ناطورى كارتا» بما يتجاوز أقصى طموحات القوميين العرب تفاؤلا عندما يدعو فى جمع عند بلدة بيت حانون إلى أن يزيل الله «دولة الشيطان» لأنها قامت على أرض ليست لها وبعد أن قتلت سكانها الأصليين، ويأتى قوله بعد يوم واحد من زيارة رئيس وزراء إسرائيل إلى القاهرة. فمن الذى يرفض شرعية الكيان الصهيونى ومن الذى يستقبل موفده؟.. فى اللقطة الرابعة مقامان دينيان بارزان يفتى أحدهما بحرمة بناء الجدار الفولاذى على الحدود مع غزة ويفتى الآخر بحلال البناء بل ويتهم المعارضين بمخالفة الشريعة الإسلامية. فمن يمثل ماذا ولأى نص يستند؟

والحال كذلك يبدو طبيعيا جدا أن يجد طالب الجامعة نفسه فى حيرة بالغة، فالكبار من حوله يختلفون حول الثوابت ويصدرون إليه خلافاتهم وعراكهم وفتاويهم. فليجرب إذن ألا يستعير حواسهم، ويفكر بعقله لا بأهوائهم، ويناقش القضية إن شاء من منظور أمن مصر القومى لا من منظور أمنهم الشخصى، وعندها سيتبين كم هو متهافت منطقهم ومغلوط. فمصر لا تستطيع أن تأمن وعلى حدودها شعب يضيق عليه الخناق أكثر فأكثر فلا يعود لديه شىء يخسره، لاحظ هنا أن لفظ شعب ذُكر مجردا عن عمد ليدور النقاش فى إطار مصلحى بحت بعيدا عن أى تلوين أيديولوجى. وضبط الأنفاق يتحقق بالمراقبة لا بالإغراق فإصلاح الجزء لا يكون بتدمير الكل. والحديث عن أن المطالبة بفتح المعبر هى بسبب رفض الإسلام السياسى الاعتراف بحدود الدولة يثير السؤال: وماذا عن تبنى نشطاء مسيحيين ويهود الطلب ذاته، فهل هم أيضا لا يقيمون اعتبارا للحدود القطرية؟ وتكرار أن هناك من يصطاد فى الماء العكر من دول الجوار العربية وغير العربية منطق يفند نفسه فلولا أن تعكر الماء ما سهل الصيد فيه فلماذا تعكر مصر مياهها مع أهل غزة؟

فى خمسينيات القرن الماضى، وفى ذروة توهج الثورة المصرية قال الرئيس عبدالناصر واحدة من عباراته الأشهر إنصافا لجموع الفلاحين الفقراء «ارفع رأسك يا أخى فقد مضى عهد الاستعباد»، أما الآن وفى ذكرى مرور عام على عدوان غزة، وفى خضم تدافع الأحداث فإن صاحب التفكير المستقل يحتاج إلى تحوير العبارة السابقة لتصير: امسك رأسك يا أخى فقد بلغ خلط المواقف منتهاه.  

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات