أسبوع واحد للآلام لا يكفى - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 12:02 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

أسبوع واحد للآلام لا يكفى

نشر فى : الخميس 11 أبريل 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 11 أبريل 2013 - 8:00 ص

فى الثامن والعشرين من هذا الشهر يبدأ أسبوع الآلام الذى هو الأقدس بين كل أيام السنة فى العقيدة المسيحية. فيه يتذكر المسيحيون معاناة السيد المسيح فى أيامه الأخيرة ويكرسون الحزن المواكب لهذا التذكار، فأعمدة الكنائس وجدرانها تتشح بالسواد، ولا طعم للسكر أو العسل فى الطعام ولو أن الصيام الانقطاعى طيلة الأسبوع أو لبضعة أيام يكون أفضل، تكثيف للتعبدوالنسك وقراءة الإنجيل قبطيا ثم ترجمته عربيا، والدعاء للهواء والثمرات ونهر النيل وللسلام والفقراء والمساكين، لا يصلى فيه على ميت لأنه لا حزن إلا على السيد المسيح. يبدأ الأسبوع بأحد السعف وفيه تذكر لدخول المسيح أورشليم القدس وتهلل مستقبليه ملوحين بسعف النخيل، ثم يأتى يوم الاثنين الذى دخل فيه المسيح الهيكل ونهر التجار الذين يحرفون بيت الصلاة إلى سوق يشترى فيها ويباع، وفى الثلاثاء يبدأ التوجس مع الإعداد لتسليم المسيح إلى رؤساء الكهنة اليهود بخيانة من أحد تلاميذه، وفى الأربعاء يتواصل نسج خيوط المؤامرة فيما كان المسيح يعلم تلاميذه فى بيت عينا على بعد ميلين من بلدة أورشليم، وفى مساء الخميس يصنع المسيح العشاء الأخير لتلامذته قبل أن يُقبض عليه وتبدأ محاكمته، وفى يوم الجمعة الحزينة يُصلب المسيح ويموت ويدفن، ثم يأتى سبت النور فينزل المسيح إلى طبقات الأرض السفلى ويبارك أرواح القديسين، وأخيرا يحل يوم الأحد وفيه تكون قيامة السيد المسيح فينهى المسيحيون حزنهم وصيامهم ويحتفلون بعيد القيامة.

 

هذه عقيدة المسيحيين الذين يعيشون بيننا سواء كانوا مليونا أو خمسة أو عشرة ملايين، العدد لا يهم، الذى يعنينا أن هؤلاء المسيحيين هم مكون أصيل من مكونات الوطن وأحد أدلة تنوع نسيجه الاجتماعى، فإن أنت قلت لى كم مسلم فى مصر يعرف تلك المعلومات عن شركائه فى الوطن أقول لك أى مناخ تعيش فيه وما إذا كان ينتج محبة أم كراهية. نحن لا نتعرف على عقائد الآخرين لنؤمن بها فقد كان البابا شنودة كثيرا ما يدلل على مواقفه بآيات من الذكر الحكيم وهو من هو بطريرك الأقباط الأرثوذكس وراعى الكرازة المرقسية، نحن نتعرف على مذاهب الآخرين ودياناتهم وألسنتهم كى لا نعيش فى جزر معزولة عن بعضنا البعض. فإن أنت لم تؤمن أنه على أرض هذا الوطن بشر يدينون بغير دينك من المنطقى أن تتعرف على ركائز دينهم الأساسية، فأنت إذن تؤمن بأن هؤلاء البشر هم جزء من الناس الذين خلقهم الله سبحانه وتعالى ذكورا وإناثا وجعلهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا، وإلا تكون ما مررت قط بالآية الثالثة عشرة من سورة الحجرات، وأغلب الظن أنك مررت بها. بدون هذا التنوع يكون وجه مصر متجهما قاسيا، وبدون التعامل معه كحقيقة واقعة فأنت إذن تنكر سنة الله فى خلقه، تلك السنة القائمة على التعدد والاختلاف لأنه لو شاء الله لجعلنا جميعا أمة واحدة.

 

●●●

 

من هذا الأصل أى الجهل بالآخر تتفرع كل الشرور، وبالتالى سيقول قائل إن الفتنة الطائفية تفاقمت مع وصول التيار الدينى الذى يفسر الإسلام على مقاس فكره. هذا قول صحيح. وسأزيد عليه وأقول له إنه فى ظل حكم هذا التيار بجناحيه الإخوانى والسلفى تكرر كثيرا تعبير «للمرة الأولى» فى وصف أحداث ما يسمى بالفتنة الطائفية، فلأول مرة يتم تهجير المسيحيين من بيوتهم سواء فى دهشور أو فى رفح، ولأول مرة تُهاجم الكاتدرائية المرقسية التى شيدها الرئيس عبدالناصر عام 1965 لتكون رمزا للأرثوذكسية تماما كما يرمز الفاتيكان للكاثوليكية، ولأول مرة يبلغ الفحش فى هجاء المسيحيين والقدح فى عقيدتهم وتكفيرهم عيانا بيانا هذا المبلغ. كل الأمثلة السابقة صحيحة، لكن ما بال كنيسة تُهدم لأول مرة بقرية أطفيح فى مارس 2011 وما كان الإسلاميون فى الحكم، وما بال مذبحة ماسبيرو تحصد فى أكتوبر 2011 نحو 25 من المسيحيين وهذا هو العدد الأضخم منذ السبعينيات وما كان الدكتور مرسى رئيسا للبلاد، وقبل هذا وذاك ألم يكن تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية هو آخر عهد النظام السابق بالفتنة الطائفية؟ إن مسلسل التفاقم مستمر.

 

●●●

 

الذين يحرضون على الكراهية للمسيحيين أو يتسامحون مع مروجى مشاعر تلك الكراهية لا تؤرقهم مضاجعهم، هم أصلا يعتبرون المسيحيين عبئا على أهل مصر، وبالتالى لا يستقبحون تكرار مشاهد العنف الطائفى بشكل ممل أو انتشارها. خذ فقط شبرا الخيمة وتتبع أحداث فتنتها على مدار العامين الأخيرين وتأمل كيف كان مصدر استفزاز المشاعر الطائفية متنوعا وأحيانا تافها. فمن بين تلك الفتن ما اندلع بسبب رفع صوت القرآن الكريم للتشويش على الصلاة فى إحدى الكنائس، أو بسبب سقوط مواد بناء من منزل مسلم على مارة مسيحيين، أو بسبب خلاف مالى طعن على أثره مسيحى مسلما فى وجهه ورفض تحمل نفقة عملية التجميل، وطبعا بسبب زواج مسلم من مسيحية أو معاكسة مسيحى لمسلمة. فى كل تلك الخلافات يقفز فورا على سطح المشهد دين المتشاجرين ويجرى الاصطفاف دينيا على الجانبين، ولا يرد أحد بأن شبرا الخيمة لها وضع خاص بحكم تكوينها السكانى المتعدد، فشبرا هى شبرا لكن مساحة التسامح مع الاختلاف تفقد صباح كل يوم مترا جديدا، هذا بخلاف أن ما يحدث فى شبرا له أشباه كثيرة خارجها.

 

لكى يصدق المسيحيون أن رئيس الجمهورية يعتبر الاعتداء على الكاتدرائية المرقسية اعتداء على شخصه، عليه أن يجيب عن أسئلة من نوع: أين مسيحيو مصر من مناهج التعليم فى مختلف المراحل، بل أين هم من الدستور بعد حذف معايير التمييز من المادة 33، أين هم من الدائرة المحيطة به التى طردت المسيحى الوحيد فيها كما طردت بيئة حزبه الحاكم نائب رئيس الحزب رفيق حبيب، أين هو شخصيا من مراسم تشييع البابا شنودة وترسيم البابا تواضروس والحدثان قلما يمران بالوطن، كيف يمكن اعتبار الاعتداء على الكاتدرائية اعتداء عليه بينما الشخص الذى تطاول على البابا بعد وفاته وتشفى فى أحداث الكاتدرائية هو ضمن من حظوا بعفوه الرئاسى الكريم، أين الجناة من أول صول حتى الكاتدرائية مصداقا للعدالة الناجزة التى يقول إنه ينشدها. إن كل تلك الأسئلة تستحق علامة استفهام واحدة كبيرة إجابتها محزنة وهى أن القائمين على الحكم لا يبصرون المسيحيين إراديا أولا إراديا ليس مهما، المهم أنهم لا يرونهم ولا يذكرون حتى أعيادهم.

 

●●●

 

ورغم كل شيء فيا مسيحيو مصر أحسنوا الظن بمسلميها الذين يقف أكثريتهم معكم فى خندق واحد، لا ترحلوا فليس لكم ولا لنا ملاذ غير هذه الأرض فى هذا الوطن، سنكافح معا لنغير العقول ونرقق القلوب ونتعارف أكثر على بعضنا البعض، فلا تدرون كم أوجعتم من قلوب عندما تعالى هتافكم وأنتم محاصرون داخل الكاتدرائية مناجين الله بقولكم: يا رب، وكأن أسبوع الآلام الذى ينتظركم مفتوح الأفق وبلا نهاية، والمطلوب منا تصديقه بعد كل هذا أن سبب الشرارة الأخيرة كان مجرد صليب معقوف.

 

 

 

أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات