هالة السعيد كما عرفتُها - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 1:18 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

هالة السعيد كما عرفتُها

نشر فى : الخميس 11 يوليه 2024 - 6:20 م | آخر تحديث : الخميس 11 يوليه 2024 - 6:20 م

التقيتُ بهالة حلمي السعيد لأول مرة في صيف عام ١٩٧٤، عندما كانت نتيجة الثانوية العامة قد ظهرت وكنّا هي وأنا من المتفوقات فيها، وهكذا جمعَتنا أكثر من مناسبة احتفالية بالأوائل. سهل جدًا أن تتعرّف على هالة من أول لقاء فهي مبتسمة خفيفة الظّل مجاملة لا تنطبق عليها أبدًا صفة "التعقيد" التي تقترن بالناس الشاطرة، مع أنها شاطرة بل شاطرة جدًا. أول صورة جمعتني بها كانت مع مجموعة أوائل الثانوية العامة ونحن نرتدي وشاح التكريم من نقابة التجاريين، ثم توالت صورنا معًا، فإذا كان من السهل جدًا أن تتعرّف على هالة السعيد فإن من الصعب جدًا أن تقطع العلاقة معها، هي لا تسمح لك بذلك. وبالتالي فمن المعتاد أن يتكرّر رقم ثلاثين وأربعين عامًا في أي علاقة معها حتى وإن لم تصل هذه العلاقة لمستوى الصداقة الحميمة.
• • •
"م الثانوية للكلية والمجموع قرّب ع المية" كما تقول ليلى نظمي جمعتنا معًا كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، كنتُ مغلقة ودائرة معارفي محدودة، وكانت هي منفتحة وشبكة علاقاتها الاجتماعية متنوّعة تنوّعا لا مثيل له. في شلّة أصدقائها أو الدائرة المقرّبة منها الكويتي واليمني والسعودي وكثير من الصديقات والأصدقاء المصريين، كان المحيط اللصيق بهالة صورة مصغّرة من جامعة القاهرة التي تخرّج منها العديد من الرموز العربية البارزة في مُختَلَف المجالات ومازال أكثرهم يدين لمصر بالعرفان. دخَلَت هالة قسم الاقتصاد لأنها بارعة في لغة الأرقام، واخترتُ أنا قسم سياسة أو لعله هو الذي اختارني فعلاقتي بالأرقام علاقة غير ودودة بالمرّة، وبالتالي تباعدنا هالة وأنا ولم نعد نلتقي إلا على سلالم الكلية أو في الكافيتريا. وعندما أردت أن أعرف أكثر عن المرحلة الجامعية في مشوار حياة هالة السعيد، رحتُ أسأل بعض رفيقاتها المقرّبات، فحكت لي واحدة كيف كانت هالة تجلس في الصفّ الأول داخل مدرّج رقم (١) فتفهم وتستوعب، وفي المساء تشرح لهذه الصديقة دروس الصباح وبجوارها طبق شهي به كفتة طنط كاميليا أو كوكي والدة صديقتها. جادّة في دراستها لا تفوّت حضور أي محاضرة، لكنها أيضًا محبّة للحياة لا تفوّت فرصة الاستمتاع بخروجة في الميريلاند أو رحلة مع الكليّة لأسوان أو إجازة صيف في المنتزة. تتحمّل مسؤوليتها كطالبة، لكن أيضًا تشارك الآخرين في تحمّل مسؤولياتهم، تعتني بأولاد عمّتها الصغار عند الضرورة وتنتزع منهم الضحك انتزاعًا، وتصطحب أخيها الأصغر جمال إلى المدرسة مع أنها الابنة الثالثة في أسرة المهندس الوزير حلمي السعيد. إحساسها بالآخرين عالٍ فلا تكاد تجد واحدة من صديقاتها لا تذكر لها موقفًا إنسانيًا وقفته معها، فهذه صديقة أقامت هالة لابنها فرحًا ثانيًا ليعيش فرحة العُرس مرتين، وهذه صديقة أخرى عرفت هالة بمعاناتها في عملها فبحثت لها من ورائها عن فرصة عمل بديلة، أما أنا فلقد وقفَت معي في أزمتي في معهد البحوث والدراسات العربية وهذه حكاية طويلة. وربما ساعد هالة على الاحتفاظ بهذا الكنز الثمين من الصداقات والعلاقات، ليس فقط فطرتها الطبيعية ولا أنها ست جدعة تحمل مسؤوليتها ومسؤولية كل مَن يقصدها، لكن أيضًا قدرتها على التعامل مع الاختلاف. نشأَت هالة في أسرة الأب فيها ناصري بامتياز عوقب بالسجن بسبب اتجاهه السياسي في فترة أنور السادات، أمًا الأم فإنها وفدية لا تميل كثيرًا لعبد الناصر. مزجَت هالة هذا التنوّع السياسي في داخلها دون أن تسمح له بالانعكاس لا على علاقاتها الاجتماعية ولا داخل محيط العمل، فإذا هي تنفتح على خصوم عبد الناصر كما على أنصاره، ولا تترك وراءها ما يدّل على اختيارها الشخصي اللهم إلا صورة قديمة بالأبيض والأسود تحملها معها من مكتبها كمديرة تنفيذية للمعهد المصرفي، إلى مكتبها كعميدة لكليتها، ثم إلى مكتبها في وزارة التخطيط. في هذه الصورة نجد الطفلة هالة السعيد وهي لا تزيد عن أربع سنوات تتوّسط كلًا من عبد الناصر ووالدها وقد تشابكت أصابعها الصغيرة مع أصابعه، واللبيب طبعًا بالإشارة يفهم. ولذلك عندما تركَت الوزارة قبل أيام حيّا دورها في الوزارة أشخاص في قامة دكتور محمد أبو الغار الليبرالي الأصيل، وأثنى عليها هي ووزير الكهرباء محمد شاكر "لأمانتهما ومجهودهما".
• • •
تدور وتلّف الأيام وتتجدّد علاقتي وتتوثّق بهالة السعيد عندما صارت أول عميدة منتخبة لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ومسألة الانتخاب هذه لها دلالتها وليست مجرد كليشيه. كانت فترة توّليها العمادة من ٢٠١١ إلى ٢٠١٧ فترة بالغة الاضطراب في مصر، بدأت بتصدّر الإخوان المشهد السياسي واستعراض قوّتهم وقوّة جماعتهم، وانتهت بتنحية الإخوان بعد الثلاثين من يونيو. الجامعة مرآة للمجتمع، وبالتالي فإن صعود الإخوان وهبوطهم كانت له انعكاساته داخل الحرم الجامعي. ولازلت أذكر ذلك اليوم الذي اقتحم فيه بعض طلّاب الإخوان الكلية أثناء احتفالها بتأبين الدكتور عبد الملك عودة وبحضور أسماء كبيرة على رأسها أستاذنا الدكتور بطرس بطرس غالي، فالموقف كان خطيرًا وقابلًا للاشتعال في أي لحظة. لكن سيادة العميدة كانت جاهزة، استوعَبَت الأمر بحكمتها المعهودة وسيطّرت على الموقف في دقائق معدودات، ومرّ حفل التأبين بسلام وبشكلٍ يليق بالدكتور عودة. إنها امرأة لا تفقد أعصابها في وقت الأزمات، وهذه صفة أساسية من صفات أي مسئول ناجح. وهالة الصغيرة التي كانت تحّل الخلافات بين إخوتها وتداري عليهم وعلى شقاوتهم أمام والدتها، صارت هي هالة العميدة التي تحوّلت بالكُلية إلى خليّة نحل. ومن المشاهد التي كانت مألوفة جدًا أثناء فترة عمادتها، أن يدخل الواحد منّا إلى مكتبها فيجد فيه ثلّة من الطالبات والطلّاب توزّع عليهم العمل، وتبّث فيهم الشعور بالاقتدار. تستخلص منهم الأفكار والمبادرات، وتجعل منهم سفراء للتنمية. تُشركهم في التواصل مع كبريات الجامعات على مستوى العالم، وتعظّم لديهم قيمة العلم والتعلّم. ولذلك يتكرّر دائمًا تعبير هؤلاء الشباب عن امتنانهم لها بقولهم إنها تمثّل لهم نموذجًا يُحتذى. كان الجميع يحّب أن يعمل مع هالة، فلها روح إيجابية تُصدر ذبذبات تنتشر وتؤثّر.
• • •
طوال عملها في وزارة التخطيط كانت هالة هي هالة، لا تَتَعالى.. لا تتصنّع.. لا تنبهر بالمنصب حتى أن الشخص غير المعنّي بالسياسة لا يكاد يعرف أن المرأة الجميلة البسيطة الجالسة إلى الطاولة المجاورة له، هي بشحمها ولحمها الوزيرة القوية التي اختيرت أفضل وزيرة عربية في أول دورة من دورات جائزة التميّز الحكومي العربي، والتي تركَت من ورائها حصاد سبع سنوات من العمل الدؤوب المشرّف لمصر ولها. هذا العمل استوعبها تمامًا حتى شغلها عن نفسها وأسرتها. وكم تأثّرتُ كثيرًا بجملتها قبل أسبوع واحد من تركها الوزارة، عندما روت أن أحد أحفادها جاء لزيارتها فلما رأته قالت لمَن حولها بدهشة حقيقة "يااااااه ما كنتش أعرف إن رشاد كبر بالشكل ده".

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات