فى كل مرة كنت أهمُ بأن أفتح حسابا لى على تويتر كنت أسمع الجملة التالية من شابات وشبان العائلة فأُحجم: تويتر أصعب من فيس بوك لكن بالتدريج سوف تعتادين عليه.
علاقتى أصلا بالفيس بوك كانت سطحية، مجرد فضاء ألتقى فيه مع أصدقائى وطلبتى فى زمن تقلصت فيه مناسباتنا الاجتماعية إلى الحد الأدنى، لكنى أبدا لم أستطع أن أجارى هؤلاء الشابات والشبان العفاريت الذين كانوا يلصقون على حوائطهم روابط الأحداث فور وقوعها أو يضعون على البروفايلات الخاصة بهم تصميمات مبتكرة من صنع أيديهم، وفى حال ما كنت أفعل شيئا قليلا من ذلك كان لا بد لى أن أستعين بصديق، فكيف بى إذن مع تويتر؟. لكن بمرور الوقت فعلت نظرية التحدى والاستجابة فعلها، وخطوت الخطوة الأولى نحو تويتر بكثير من التردد وأيضا الفضول.
●●●
عندما دخلت عالم تويتر أدركتُ كم كنت سأخسر إن بقيت خارجه، فكثير من الدروس والأحكام المسبقة تضع أمامها تفاعلات تويتر علامات استفهام وربما تعجب. مبدئيا لم تعد الطبقة مفهوما اقتصاديا محضا، ولم يعد كافيا إضافة المعرفة التكنولوجية إلى مكونات رأس المال الاجتماعى، فلقد نشأت طبقية أخرى فى داخل فئة المتعاملين مع وسائل الاتصال تميز فيها مستخدمو تويتر عمن سواهم. حاولت أن أجد تفسيرا معقولا لهذا الاستعلاء الاتصالى الذى يشعر به مستخدمو تويتر فلم أجد، بالعكس فإن اللغة المستخدمة على الفيس بوك أرقى فى مفرداتها، والعلاقة مع المعارف والأصدقاء أقوى وأمتن لأنك تملك تحكما قبليا وليس بعديا فيمن يدخل دائرتك وينفذ إلى عالمك، ومع ذلك يظل إحساس مستخدمى تويتر بالسمو والتعالى إحساسا حقيقيا، بل إن من الطريف أنهم ينشئون لاحقا فيما بينهم طبقية من نوع آخر أساسها عدد الفولورز أو المتابعين بحيث يشكل بروليتاريا تويتر من هم دون الألف فولورز !. وهكذا تبدو الطبقية كأنها ظاهرة عنقودية تنتج بلا مدى المزيد والمزيد من معايير التمييز والفرز والتصنيف. بالمناسبة فإن الطبقية الاتصالية لا تتقاطع بالضرورة مع الطبقية الاقتصادية، وذلك لأن انتشار مقاهى الإنترنت بطول أنحاء الجمهورية سمح للفئات المهمشة بشئ من الحراك الطبقى على المستوى الاتصالى فيما ظل وضعهم المادى فى حالة ثبات.
●●●
تحتاج قضية الفولورز أو المتابعين إلى دراسة متأنية، وهنا لا أتحدث عما يتردد عن ظاهرة شراء المتابعين كما يشترى المرشحون أصوات الناخبين، فتلك ظاهرة يصعب جدا التحقق منها. لكنى أتحدث عن العلاقة بين السلطة والنفوذ، وما نتبينه على تويتر من أن هناك انفصاما كبيرا بين من يمارسون السلطة ومن يملكون النفوذ، فكثير من قادة الرأى الحقيقيين مبعدون فعليا عن دائرة صنع القرار لكنهم بحكم مئات الآلاف من متابعيهم ومتابعى متابعيهم يمثلون مصادر مؤكدة للتأثير والنفوذ. وأظن أن كثيرا من مراكز استطلاع الرأى التى تقيس شعبية الحكام سيكون عليها أن تفسح لاحقا فى عيناتها البحثية مجالا للمشتركين فى تويتر، فالعديد من عباد الله العاديين تتفوق شعبيتهم على شعبية حكامهم وقياداتهم السياسية والحزبية، والنظرة المقارنة تدلل على ذلك بكل وضوح.
ثم إن تويتر هو قناة معلوماتية ذات حدين، فهى تحدث معلوماتك أولا بأول وتضعك دائما فى الصورة كما يقولون وتصلك بوطنك فى الغربة. لكنها فى الوقت نفسه تولد لديك شعورا بالاستغناء عن القراءة والاطلاع بحيث أنك ما لم تقاوم هذا الإحساس الخطر فستجد حصيلتك المعرفية تتآكل بالتدريج والشئ الذى لا يُزاد ينقص. ضبطت نفسى فى البداية أنقل أخبارا عن تويتر ثم نهرتها، فمعلومات تويتر أكثرها ملون سياسيا وأحيانا طائفيا لأن تويتر أداة حقيقية من أدوات الصراع السياسى بين القوى والتيارات المختلفة، وفى الصراع لا غضاضة فى ترويج الشائعات كما أن ظاهرة اللجان الإلكترونية الجاهزة للهجوم على المخالفين فى الاتجاه يعرفها كل أحد.
●●●
على المستوى الشخصى تعلمت كثيرا من هذه التجربة، جدد دخولى مجالا آخر من مجالات تكنولوجيا الاتصال الدماء فى عروقى، وقربنى من العالم الخاص لطلبتى بحيويته ويقظته على مدار الأربع والعشرين ساعة، وعودنى أن أسمع نقدا لاذعا أتفهمه ولكنه أحيانا يكون جارحا وهو ما يثبت أنه ليس كل مشترك على تويتر يغرد.