وسع طريق - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:54 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

وسع طريق

نشر فى : الإثنين 17 فبراير 2014 - 6:20 ص | آخر تحديث : الإثنين 17 فبراير 2014 - 6:20 ص

صار شارع العروبة بمصر الجديدة أوسع، اشتغلت الجرافات الضخمة بهمة كبيرة على مدار الأيام العشرة الماضية واقتطعت من الحديقة التى تفصل الحارة اليمنى عن الحارة اليسرى حوالى ثلاثة أمتار من الجانبين. لم يتوقف العمال عن العمل، أشفقت عليهم وهم يختزلون بأيديهم المساحة الخضراء التى تابعتهم مرارا وهم يلوذون بأشجارها المتشابكة يرتاحون من عناء العمل فى المصالح والمحال المجاورة ويؤدون فريضة الصلاة فرادى أو جماعة. على أية حال زاد عرض الطريق وصار بمقدور أعداد متزايدة من السيارات أن تندفع قدما إلى الأمام قبل أن تصل إلى نقطة اختناق عند نفق العروبة ثم كوبرى المطار، هناك تقع السيارات فى الفخ وتنتقل من وسع الطريق إلى ضيق منزل النفق أو مطلع الكوبرى فيبلغ التكدس مداه وتصاب الحركة المرورية بالشلل التام. لكن هذا ليس مهما، المهم هو أن تضخ مزيدا من السيارات فى شوارع القاهرة، الزمن هو زمن السيارات، أما الدراجات البخارية فخطيرة يقودها مجرمون وقناصة وبالتالى فالحل أن نوقف استيرادها وكذلك نحد من استيراد قطع غيارها ونفسح المجال لسيارات أكثر فأكثر. وإذا ما مثلت الدراجات العادية تهديدا مماثلا فى المستقبل فستلقى بدورها المصير نفسه. نحن لا نمنع الجريمة ونستسهل تجريم الأداة.

•••

بل الجَورَ على المساحات الخضراء بهدف توسيع الطريق لا يؤدى فقط إلى زيادة الاختناق وتعقيد مشكلة المرور لكنه يؤدى أيضا إلى مزيد من الضغط على رئة العاصمة التى تستنشق من الأبخرة والعوادم ما يجعلها بين أكثر المدن تلوثا على مستوى العالم. من وقت ليس بالقصير تخليت عن التعاطى مع المساحات الخضراء والحدائق باعتبارها ذات وظيفة جمالية تسر النظر وتهدئ الأعصاب، فقدت الحماس للدفاع من بهجة الألوان فى باقات الزهر عند سيقان الأشجار وازدهارها مع قدوم الربيع، أصبح ذلك ترفا ليس من حقنا فى هذا الزمن الصعب. أدخلنا الأشجار فى صراعاتنا السياسية فأضرم طلاب غاضبون النار فيها بدم بارد، وسمعت السائق الذى كان يمر بى فى طريق العروبة يعلق على تقليص المساحات الخضراء قائلا: معهم حق فهذه الحديقة التى تتوسط الطريق كانت أعرض مما ينبغى! البعض منا يجترئ على الطبيعة والبعض الآخر يتعاطف مع الاعتداء عليها.

•••

لى مع حديقة طريق العروبة التى هجمت عليها الجرافات كما هجمت على عشرات غيرها فى مناطق أخرى، لى معها ذكريات جميلة أبحث اليوم عن مأوى لها وقد باتت ذكريات عائمة فى الفضاء لا مستقر لها ولا موطن. أذكر فى بداية زواجى كيف استضافتنى هذه الحديقة مع بعض الأصدقاء لنتناول معا طعام السحور، كان العشب نديا من تحتنا فقد كان شهر رمضان يحل فى موسم الخريف، وكنا نجتمع كل بضعة أيام لنستمتع برؤية الهلال الوليد ينمو ويكبر ثم يعود ويتوارى كما هى دورة الأهلة والشهور. كانت السيارات التى تمر عن يمين وشمال قليلة جدا وكان مشهدها مسليا، كانت أياما. ومع ذلك فالقضية تتجاوز الماضى وذكرياته، إنها قضية المستقبل، قضية الأجيال القادمة التى سيؤدى الاعتداء المستمر على الطبيعة إلى محاصرتها بكتل خرسانية قبيحة وأرتال من السيارات التى ستحول القاهرة على حد تعبير دكتور مصطفى الفقى إلى جراج كبير، وبئس المصير.

•••

أختم بلقطة بالغة الدلالة والإيلام فى الوقت نفسه، فقبل أيام كنت فى حديقة الأطفال بأحد النوادى الشهيرة عندما طربت لصوت لا ينقطع لزقزقة العصافير، ظننت أن الدنيا ما زالت بخير قبل أن أكتشف أن هذا الصوت ينبعث من سى دى سُجل عليه تغريد العصافير فى مكان آخر والأرجح فى بلد آخر، صحيح أنه مازال فى النادى بعض الأشجار التى يمكن أن تقف الطيور فوق أغصانها وتشدو لكنها تتناقص اليوم بعد الآخر وكل الخوف أن تأتى اللحظة التى لا تجد فيها الطيور أغصانا تستقر فوقها ونكتفى نحن بتغريدات مسجلة.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات