الصغيران - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 12:24 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

الصغيران

نشر فى : الخميس 17 سبتمبر 2009 - 11:47 ص | آخر تحديث : الخميس 17 سبتمبر 2009 - 11:47 ص

 قبل نحو نصف الساعة من انطلاق مدفع الإفطار كان يظهر الصغيران فجأة، تنشق الأرض عنهما لست تدرى من أين أتيا، ولا كيف اختارا هذا التوقيت بخبث الطفولة وبراءتها ليكون الكل مشغولا بالتجهيز لطعام الإفطار، فيما هما يتسللان إلى الحديقة الغناء التى تتوسط الشارع، حتى إذا دبت الحياة فى المكان أو قضيا من اللعب وطرهما أيهما أسبق اختفيا فلم يعد لهما أثر.

الصغيران هما طفل وطفلة فى الرابعة من عمرهما أو الخامسة، صديقان أو الأرجح أنهما أخوان، ثيابهما الرثة تعلوها أوساخ شقاوة آخر اليوم، وخطواتهما المرتعشة تنم عن خوف عظيم من أن يكشف أمرهما أحد. يذكرها مشهدهما بقصة «الصغيران» لمصطفى صادق الرافعى، وتحسب أنه كان يصفهما بقلمه الفصيح حين قال إنهما «فى وزن مثقالين من الإنسانية، ولكنهما يحملان وزن قناطير من الرعب».

لكن إذا كان صغيرا مصطفى صادق الرافعى قد تملكهما الرعب بعد أن ضلا ليلا الطريق إلى الأهل فراحا يتلفتان تلفت الشاة الضالة عن قطيعها، فإن جذع صغيريها كان له سبب آخر. كانت الحديقة الواسعة التى تتوسط شارعها منهى عن ارتيادها بأمر جارها الضابط الهُمام الذى قاد حملة لتحويل الأرض الفضاء من مرعى للأغنام إلى حديقة تسر رؤاها الناظرين، ونجح فعلا بفضل صرامته الفائقة ودأبه منقطع النظير أن يحفظ لسكان المنطقة رئة يتنفسون بها فى زمن عز فيه الهواء. فمن اللحظة الأولى تعهد صاحبنا الحديقة برعايته وأحاطها بسور سلكى شائك، ونظم لها دوريات من حراس العمارات المُطلة عليها وأخذ المقصرين منهم أخذ عزيز مقتدر.

ومع ذلك فالأغلب أن الصغيرين هما من أبناء هؤلاء الحراس أنفسهم أو فى القليل من أبناء أقاربهم، فألفتهما مع المكان واختيارهما الدقيق لتوقيت غزو الحديقة، وترددهما عليها المرة تلو الأخرى، كلها شواهد تدل على أنهما من أهل البيت وإن كانا فى كل الأيام التى ظهرا فيها لم يصحبهما أب أو أم. ياه لشد ما تشفق على أهل الصغيرين الذين لا شك قد تنازعتهم الرغبة فى إدخال البهجة على نفوس أطفالهما ككل أبناء الحى الموسرين مع الحرص فى الوقت نفسه على لقمة العيش التى تصبح على كف عفريت لو افتضح أمر الصغيرين.

فى المرة الأولى التى شاهدتهما فيها كان شاغلهما الوحيد هو كيف يدخلان إلى الحديقة، فالسور السلكى الشائك كان يزيد ارتفاعه على طول قامتيهما القصيرتين، ولا شك أنهما ظنا السور لوهلة سدا منيعا. ودت يومها لو مدت إليهما يدا، لو فتحت لهما ثغرة فى سور الحديقة ينفذان منها ويلعبان لساعة أو بضع ساعة لكنها لم تفعل، لماذا لم تفعل؟ لعلها حقوق الجيرة. على أى حال أثبتت الأيام أنهما ليسا بحاجة لها، ففى المرة الثانية التى تذكرتهما فيها فأطلت عليهما من شرفتها كان الصغيران قد اتخذا طريقهما إلى ركن الحديقة وانزويا فيه يلعبان. تُرى كيف تسلل هذان العفريتان إلى داخل الحديقة؟ هل خف لمساعدتهما أحد من الأهل فى غفلة من رقابة الضابط إياه؟ هل أسعفتهما رحمة الله وأرشدتهما إلى كوة صغيرة منسية لكن كافية لتمرير جسديهما الضامرين؟ لا تدرى.. فقط استبعدت أن يكون أحد الصغيرين هو الذى فتح الطريق بنفسه فالأسلاك قاسية.

فى كل المرات التالية التى قدر لها أن تتابع فيها الصغيرين على عجل كان همهما أن يسيرا سيارة صغيرة على عشب الحديقة.. إذن لم يعد الصغيران يقنعان باقتحام الحديقة. لكن السيارة لم تكن تسير، فهى ليست من ذلك النوع الذى يلهو به أبناء السكان بالريموت كنترول فتنهش الأرض غير عابئة بعشب أو رمال. الأرجح أنها سيارة متواضعة لا تعمل بأى مصدر للطاقة، كما أن الأرجح أنه حتى لو توفرت للصغيرين سيارة تعمل بالريموت كنترول لما أدخلاها إلى الحديقة، ففى سيرها ضجيج كبير وأنوار تضىء وتخبو، ولفت للنظر. وهكذا قُدر لكل محاولات الصغيرين المتتالية أن تفشل، يدفع الطفل بالسيارة فى اتجاه أخته أو صديقته فلا تلبث أن تنقلب على ظهرها، ويتملك الاثنين معا كرب عظيم. غريب أمر هذين الصغيرين، طالما أن الهدف ليس هو الاستلقاء فوق عشب الحديقة أو قطف أزهارها فلم الإصرار على تجربة المستحيل فيها؟ لماذا لا يحاولان تسيير السيارة على أسفلت الشارع أو الرصيف أو فى الجراج حيث يسكنان؟ إنها إذن رغبة فى قبول التحدى كما أن كل صعب مرغوب،أو هو تشبه بأبناء السكان الذين لهم سياراتهم وللصغيرين أيضا عربتهما، أو هى الرغبة فى الاستمتاع باللعب إلى المدى الأقصى، أو لعله اللا منطق الذى هو أجمل ما فى الطفولة وسرها.

أخيرا... أخيرا جدا اهتدى الصغيران إلى حل لفزورة العشب والسيارة، أدخلا من فجوة السور قطعة من الورق المقوى وأسنداها إلى جذع شجرة بميل خفيف جدا فمضت السيارة تنزلق من أعلى لأسفل فى سلاسة، وتبادل الصغيران موقعيهما فتارة يتولى أحدهما مهمة دفع السيارة ليتلقاها الآخر وتارة يخلفه الآخر فى مهمته. ومع أن المسافة بينها وبينهما لم تكن تسمح لها بالتقاط أصوات ضحكاتهما إلا أنها كانت تشعر أن كل ما فيهما ينطق بالفرح وهما يكرران عشرات المرات دفع السيارة من أعلى لأسفل ويمارسان تبادل المواقع بدون ملل. جلجلت ضحكتها، انتقلت إليها عدوى السعادة فجأة.

انتهى الشهر الكريم أو كاد، وامتلأت الرءوس بترتيبات الكعك والإجازة وزيارات الأهل والعيديات، أما هى فلعل أكثر ما كان يشغلها سؤال عويص هو: إلى أين يحمل الصغيران سيارتهما ويمضيان؟

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات