الخائفون من التوافق - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:41 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

الخائفون من التوافق

نشر فى : الخميس 21 يوليه 2011 - 8:38 ص | آخر تحديث : الخميس 21 يوليه 2011 - 8:38 ص
فى 17 مارس الماضى كتب المستشار طارق البشرى مقالا فى جريدة الشروق بعنوان «الخائفون من الديمقراطية» اعتبر فيه أن المنادين بتأجيل الانتخابات البرلمانية إنما يخشون تطبيق الديمقراطية. وهنا أنا أستعير منه الشق الأول من عنوان مقاله لأتحدث عن الخائفين من التوافق.

فما أن ألقى اللواء محسن الفنجرى بيانه الشهير الذى أشار فيه إلى اعتزام المجلس الأعلى وضع وثيقة مبادئ حاكمة للدستور وضوابط لاختيار أعضاء الجمعية التأسيسية لوضع هذا الدستور حتى تفجرت عاصفة من الرفض هبت من طرف مختلف فصائل التيارات الإسلامية، ووصل الأمر إلى حد أن حازم أبو اسماعيل أحد المرشحين للرئاسة ذكر ما نصه « هى لعبة يستخدمها المجلس العسكرى ولن نسمح له بتنفيذها. وفى حالة إعداد تلك الوثيقة سنعد أنفسنا لمعركة لا تبقى ولا تذر».

وفى موضع آخر قال «إذا التفوا على إرادة الشعب فسيجدون رقابنا ودماءنا أمامهم». مشهد درامى مرعب سأحاول التخلص من ضغط مفرداته الدموية وأناقش قضية المبادئ الحاكمة للدستور بموضوعية، بدءا بتبرير الحاجة لها.

●●●

نحتاج إلى تلك المبادئ احتياجا ماسا لأن المواقف والتحالفات تتغير بصورة مدهشة على نحو ينذر بأن يصبح معسول الكلام عن الحقوق والحريات ككلام الليل المدهون بزبدة تسيح عندما تشرق شمس الصباح كما فى المثل الشعبى، وذلك ما لم يُحدد ويُحَصن ويُعَلن ويُلَزم به واضعو الدستور.

وكمثال فإن من يقرأ المنشور عن وثيقة التحالف الديمقراطى من أجل مصر التى شارك فى صياغتها 28 حزبا منهم حزب الحرية والعدالة للإخوان سيجدها تتكلم عن مبادئ غاية فى الروعة منها المواطنة وما توجبه من عدم التمييز بين المواطنين بسبب الدين أو العرِق أو الجنس، ومنها حرية العقيدة والعبادة، ومنها الدولة المدنية والمرجعية القضائية ولا شئ سواها لتقرير ما يخالف الدستور والقانون والنظام العام والآداب، ومنها حرية تكوين الأحزاب والجمعيات..

لكن من يقرأ البيان الصادر عما سمى بائتلاف القوى الإسلامية والذى حمل أيضا توقيع الإخوان المسلمين سيجده يعتبر أن «فكرة إعداد وثيقة مبادئ حاكمة للدستور المصرى الجديد فى هذا التوقيت هى فكرة مرفوضة من حيث الأصل»، هذا مع العلم بأن مجموعة المبادئ المذكورة كانت ستسترشد بمختلف الوثائق الصادرة عن جهات شتى منها الأزهر الشريف ومنها أيضا التحالف الديمقراطى، فأيهما نصدق والحال هذه: إخوان التحالف الديمقراطى أم إخوان ائتلاف القوى الإسلامية؟ والمدهش أن بعض الأحزاب التى تحالفت مع الإخوان عقبت على تلك المفارقة بالقول إن موقف الجماعة لم يفاجئها لأنها دائما تعلى صالحها الخاص على الصالح العام فلماذا إذن كان التحالف من الأصل؟ ولماذا الحج إلى مقر الجماعة من مرشحى الرئاسة الواحد تلو الآخر؟

●●●

نحتاج ثانيا إلى تلك المبادئ لأن بعض القوى النشطة مؤخرا على الساحة السياسية لازالت تنكر الديمقراطية وتكفرها، ومع ذلك هى تمارس إجراءاتها من تصويت فى الاستفتاء إلى تأهب لخوض الانتخابات إلى تشكيل الأحزاب السياسية وهذا يعنى تعاملها مع الديمقراطية كوسيلة لا أكثر ولا أقل. فقبل أيام انتقد الشيخ سعيد عبدالعظيم عضو مجلس أمناء الدعوة السلفية التصريحات التى أدلى بها بعض مسئولى حزب النور الذى خرج من رحم التيار السلفى إلى حد اضطر معه هؤلاء المسئولون إلى الاعتذار بأن تصريحاتهم أسيئ فهمها.

فماذا يا ترى تضمنت تلك التصريحات؟ تخيلوا لقد وصفت نجيب محفوظ بأنه «الأديب الكبير» فيما هو وفق عبدالعظيم «العلمانى المارق»، ثم أنها تكلمت عن الديمقراطية وامتدحتها وطالبت بها من دون أن توضح مثالبها وسوءاتها.

وخلص عبدالعظيم فى حديثه الذى بثته مواقع سلفية إلى أن حزب النور وإن انبثق عن الدعوة السلفية، إلا أن الحزب كالشراب يتعاطاه كل احد وقد يتنجس أما الدعوة فهى كالماء الطهور الذى هو قوام الحياة، فمن يضمن لنا حرية الرأى والتعبير و«الطهارة» الحزبية فى الدستور ناهيكم عن التعددية من دون ميثاق غليظ؟

●●●

ثم نحن نحتاج إلى المبادئ الدستورية لأن لنا ميراث طويل من الاستبداد بالسلطة، ومن الوهم تصور أن هذا الاستبداد كان صفحة طويناها من تاريخنا للأبد يوم عزلنا مبارك، فها نحن مازلنا نمارس فى غلظة مختلف مظاهر الاستبداد بحق بعضنا البعض، وما تشظى الأحزاب والائتلافات وتبادل التكفير والتخوين إلا ناتجين عن ادعاء ملكية الحقيقة المطلقة.

ونحتاج أيضا إلى تلك المبادئ لأن الصورة غير واضحة وما نعلمه من الحقائق أقل بكثير من المخفى والمستور. فأنا شخصيا أذهلنى، وأظنه كذلك أذهل غيرى، ذلك الحوار الذى أجراه وائل الإبراشى مع د. صفوت حجازى فى برنامج « الحقيقة»، ففى هذا البرنامج خاطب حجازى المجلس العسكرى بهدوء مستفز قائلا «سلمنى السلطة وحافظ على البلد وارسِ فيها الديمقراطية وارجع ثكناتك وأنا مش حاافتح ملفات الفساد بتاعتك». ادعى الداعية «الإسلامى» أنه يتحدث باسم الشعب، ولم يجد فى نفسه ما يمنع من إجراء صفقة بالمعنى السابق مع المجلس، فإن كان اليوم بيننا من ينتحل صفة الشعب ويدعى تمثيله لعقد صفقات تمرر الفساد قبل إجراء الانتخابات فما الحال إن ثبتت له الصفة التمثيلية بعد الاقتراع؟ الكلمة المفتاح هى» سلمنى السلطة».

●●●

إن جميع الحجج التى سيقت لرفض فكرة المبادئ الدستورية الحاكمة يسهل تفنيدها، فالأمر لا علاقة له البتة بالنيل من الشريعة بدليل أن كل المواثيق المتداولة تدمج فى متونها المادة الثانية، والتلبيس الذى وقع فى الاستفتاء على التعديلات الدستورية لن ينطلى مجددا على المواطن المصرى الفَطن وهو بصدد المبادئ الحاكمة. والاعتراض على شخص أسامة الغزالى المكلف بإعداد الوثيقة لا موضع له فالتعديلات الدستورية صيغت بواسطة لجنة لم يُستشر الشعب فى تشكيلها وغلب عليها هوى دينى واضح، وبالتالى فكما أعطى الإسلاميون المجلس الأعلى حق تشكيل لجنة التعديلات فإنهم لا يملكون منازعته حق تفويض من يراه فى صياغة وثيقة تجميعية، مع ملاحظة أن التجميع أقل شأنا من التعديل.

ثم أنه لا شبهة فى إقصاء طرف بعينه لأن كافة المواثيق المتداولة معروضة على الرأى العام، بل إن الوثيقة الصادرة عن المجلس الوطنى قام بالتوقيع عليها 2700 شخص وذلك كخطوة أولى لإدارة حوار مجتمعى موسع من حولها، علما بأن عدد الفقهاء الدستوريين الذين قاموا بصياغتها يبلغ 40 عَلما فى طليعتهم المستشارة تهانى الجبالى ود. نور فرحات. أما القول بأن المبادئ الحاكمة سابقة غير معمول بها فى دول العالم، فقد ذكر الفقيه القانونى الدكتور جابر جاد نصار أن أحكام المحكمة الدستورية العليا استعانت مرارا بمثل تلك المبادئ غير المدونة أصلا فى الدستور، لكن تدوينها فى صلب الدستور يعد أحكم وأضمن. هذا إلى أن ثمة سوابق فى دول أخرى كألمانيا وتركيا، علما بأن سوابقنا القضائية المشار إليها لا تحتاج لمزيد.

●●●

تصر القوى الدينية على رفض تأجيل الانتخابات، ورفض البدء بوضع الدستور، ورفض تحديد ضوابط لاختيار الجمعية التأسيسية، ورفض الوثيقة الوفاقية المتضمنة المبادئ الحاكمة للدستور، ورفض تحصين تلك المبادئ بضمانات معتبرة.

هذا كله لا معنى له إلا أن القوى الدينية ترفض التوافق المجتمعى وتتمسك بأن تكون وحدها هى «المعلقة» التى تقلب السكر (أى الخير) فى الشاى (أى الشعب) كما صرح بذلك عضو الإخوان مجاهد هريدى فى مؤتمر الجماعة بأسيوط يوم 12 من هذا الشهر.
نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات