ديمقراطية نعم - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:59 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

ديمقراطية نعم

نشر فى : الخميس 27 ديسمبر 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 27 ديسمبر 2012 - 8:00 ص

فى اليوم التالى على الجولة الثانية من الاستفتاء على الدستور، أى يوم الأحد 23 ديسمبر الماضى خرجت علينا صحيفة الأهرام « القومية « بالمانشيت التالى « الشعب انحاز للديمقراطية «، ولمزيد من التوضيح جاء العنوان الفرعى هكذا « المؤشرات الأولية تؤكد ارتفاع نسبة التصويت بــ(نعم) واللجنة العليا تعلن النتائج النهائية غدا». معنى هذا أن الصحيفة تحصر الديمقراطية فى فعل تأييد الدستور، أما فعل المعارضة أو المقاطعة فلا يمت للديمقراطية بصلة مع أن الأصل فى كـل النظم الديمقراطية أن حكما بلا معارضة يقود حتما إلى استبداد. هذا التفكير الذى عبرت عنه الصحيفة هو نفسه الذى يجاهر به قادة الإخوان صباح مساء عندما يصورون المعارضة على أنها إما مأجورة أو ملحدة.

 

●●●

 

الطريف أن الصحيفة التى اعتبرت أن التصويت بــ(نعم) أصاب كبد الديمقراطية، رصدت كما معتبرا من الخروقات والانتهاكات التى شابت التصويت فى الجولة الثانية، وحفلت الصفحة الرابعة من العدد نفسه بشهادات مراسلى الأهرام لعديد من محافظات الجمهورية. ومن أهم تلك الخروقات البطاقة الدوارة فى بنى سويف، واختفاء الحبر الفوسفورى والأقفال البلاستيكية فى المنيا، وتوجيه الناخبين فى الأقصر للتصويت بــ(نعم)، ووجود ممثل لحزب النور فى المساحة المحظورة خارج إحدى لجان الوادى الجديد. فهل نقدر ما يمكن أن يترتب على انتهاك واحد فقط من الانتهاكات السابقة كأن يوجد مثلا صندوق بدون أقفال بلاستيكية؟ إن هذا يعنى أن الصندوق يمكن تطهير جوفه من كل (لا) وإعادة ملئه حصريا بــ(نعم)، وما المانع وقد رأينا دفاتر الاقتراع الفارغة والمختومة فى أياد كثيرة خارج اللجان، والأسوأ أن بعضها عليه تاريخ 15 ديسمبر وهو اليوم الذى خصص لأولى جولات التصويت. كل هذا والصحيفة « القومية « تعتبر أن التصويت بــ(نعم) انتصار للديمقراطية. كان قد راودنى وهم، مجرد وهم، بأن ثمة صوتا مستقلا لهذه الصحيفة عندما قرأت مقالات ناقدة لبعض الممارسات الحكومية، الآن عاد الوضع إلى نصابه وانتصرت سياسة (نعم).

 

الانتهاكات التى رصدها مراسلو الأهرام رصد أضعافها مراسلو الصحف المستقلة، وكان أطرفها جميعا الصورة واسعة الانتشار لطفل السابعة أو الثامنة الذى جلس مستريحا داخل لجنة (34) بالمدرسة الفنية الصناعية بكفر الدوار ليساعد القاضى (الذى تردد أنه خاله) فى ختم أوراق التصويت بسبب « عجز الموظفين « على حد تعبير أمين اللجنة، عادى !. الواقع أننا كنا نحتاج إلى كل هذا الكم من التلاعب والتزوير الذى يتسق تماما مع طبيعة المشهد الذى جرى فيه إخراج الدستور، كنا نحتاجه حتى نسدل الستار مؤقتا على عملية اختطاف دستور مصر باسم الثورة. لم يكن متصورا أن من شكل الجمعية التأسيسية بهذا الشكل المعيب، ومارس الغش والتدليس لتمرير نصوص دستورية حمالة أوجه، وأمطر المصريين بنسخ متباينة من مسودات الدستور حتى يختلط عليهم الأمر وتتشابه السبل، وضّيق فترة النقاش الوطنى من حولها، لم يكن متصورا أبدا أن من يفعل كل ذلك يقبل فى النهاية بنتيجة (لا) للدستور، أو حتى بنتيجة (نعم) على الحافة طالما أن هناك من يتصورون أن الموافقة على الدستور تعنى تأييد جماعة الإخوان وبالتبعية تجديد شرعية الرئيس. وهكذا جرى الاشتغال على الفترة الفاصلة بين جولتى التصويت بعد النتيجة المفاجئة للجولة الأولى، حتى تجسد (نعم) إرادة أغلبية الثلثين، وبالتالى انتقل مبررو الإخوان من القول إن دساتير دول كبرى مُررت بـــ 53% أو أكثر قليلا إلى القول إن دستور مصر سيمر بـــ 64% وهذا يجعلنا نسجل رقما عالميا، وكأننا لا نقرأ وكأننا لا نعلم أن دولة اسمها جنوب أفريقيا مرر دستورها عام 1996 بنسبة 86%.

 

●●●

 

وفى هذا السياق أستغرب من تلك الدهشة البالغة التى أصابت الكثيرين بعد نشر فيديو ياسر برهامى بعنوان « فيديو كارثى أخطر 18 دقيقة لياسر برهامى عن الدستور»، وكأنهم فوجئوا بما قلناه مرارا وتكرارا وما كان سببا أصيلا من أسباب انسحاب أعضاء الجمعية ومستشاريها، وهو أن الشفافية هى الغائب الأكبر عن أعمال الجمعية ومداولاتها، وأن الغرف المغلقة وجهود « فاعلى الخير» حكمت عملية صنع الدستور من ألفها إلى يائها. صحيح أن فجاجة التصريحات التى تضمنها الفيديو لا سابق لها، إلا أن المسألة تظل بمثابة الاختلاف فى التفاصيل. شخصيا ما أدهشنى لا علاقة له باكتشاف انعدام الشفافية فى أعمال الجمعية، ولا حتى منطق الصفقة الذى تكلم عنه برهامى وكذبه شيخ الأزهر، فأى عاقل كان يتوقع أن الباقين من أعضاء الجمعية والمثابرين على النقد اللاذع لهم لابد أن يكافأوا على صبرهم الصبر الجميل. ومنعا لمنطق الصفقة فإن مسودة الدستور التونسى الجديد تحظر تولى أعضاء المجلس الوطنى التأسيسى أى مناصب لاحقة. ما أدهشنى أولا توقيت نشر الفيديو الذى تصورته فى البداية مقصودا من صاحبه للسخرية من المعارضة بعدما أصبحت أمام أمر واقع. لكن ما نشره الناشط السياسى طارق قطب فى صفحته على الفيسبوك يطرح علامة استفهام كبيرة حول مغزى التوقيت، فطارق يتحدث عن معرفته السابقة بهذا الفيديو ودعوته الإعلاميين لنشره قبل الجولة الثانية فلم يجد آذانا صاغية. يقول طارق « قعدت أبوس أيادى كل إعلاميين مصر... يذيعوا فيديو ياسر برهامى... قبل الاستفتاء المزور وماحدش أقتنع». فهل هذا صحيح؟ وإن كان صحيحا فما تفسيره؟. أدهشنى أيضا أننا طوال الفترة التالية على الثورة كنا نجد من يميز بين الاستقامة السياسية للسلفيين والمناورة السياسية للإخوان، لكن فيديو برهامى ينطق بما لا يدع مجالا للشك بأن هذا التمييز لا موضع له فهناك تدبير وتحايل ومقايضة. أدهشنى ثالثا أنه رغم اتساع تمثيل الإسلاميين داخل الجمعية التأسيسية، إلا أنه بدا من الفيديو أن السلفيين كانوا الأكثر تأثيرا فى قضايا الحقوق والحريات المدنية والسياسية. أدهشنى رابعا أنه فى الوقت الذى تفاخر فيه برهامى بملء فمه بأن هذا الدستور فيه « قيود كاملة لم توجد قبل ذلك فى أى دستور مصرى»، فإن عضوا آخر بالجمعية وهو متخصص فى العلوم السياسية يصرح بالقول « لو كنت فرنسيا لوافقت عليه»، هكذا نحن فى عصر الأنوار فهنيئا لنا.

 

●●●

 

يا من تبحثون عن أجندة العمل فى المستقبل القريب، لقد وضع أمامكم فيديو برهامى قائمة بالقوانين التى يعتزم تياره تمريرها من البرلمان، قانون الحسبة، وقانون الأزهر، وقانون الرقابة اللاحقة على الصحافة وجرائم النشر، وقانون السلطة القضائية. فإن كنتم لم تعلموا بأن تحايلا جرى لتمرير الدستور فها قد علمتم أن تحايلا سيجرى لتمرير القوانين المنفذة له، وهذا يعنى الاستعداد للانتخابات التشريعية لنتحول من ديكتاتورية (نعم) إلى ديمقراطية (لا).

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات