من وراء الستار - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:29 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

من وراء الستار

نشر فى : الإثنين 29 أبريل 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 29 أبريل 2013 - 8:00 ص

قبل بضعة أيام كنت فى الطائرة فى طريقى إلى برلين لحضور أحد المؤتمرات، وجاء جلوسى فى الصف الأول من الدرجة السياحية الذى يسمح لأصحابه بنظرة كاشفة على راكبى درجة رجال الأعمال كلما انفرج الستار الذى يفصل فيما بين الدرجتين. على يسارى احتل المقاعد الثلاثة شباب تدل لهجتهم على أنهم ينتمون إما إلى العراق أو الكويت فلهجتا الدولتين متشابهتان. كانت أجسام الشباب الثلاثة ممتلئة وسبب لهم ذلك ولا شك ضيقا فى مجلسهم، وأضيف هذا العامل إلى عامل الاستظراف مع إحدى مضيفات الدرجة السياحية على نحو دفعهم إلى استيقافها عدة مرات كلما غدت أو راحت. سألها أحدهم أول مرة بصوت مرتفع: نريد الانتقال إلى درجة رجال الأعمال فلا يشغلها إلا ركاب ثلاثة فيما الدرجة السياحية مكتظة بركابها. أجابت المضيفة بما هو معلوم لهم بالضرورة: هذا غير مسموح به طالما لم تردنى تعليمات بتصعيدكم إلى الدرجة الأعلى، و مضت تواصل عملها. التصعيد الذى أشارت إليه المضيفة له مصدران: منصب رسمى رفيع سابق يتيح لصاحبه معاملة خاصة بافتراض أنه يجلس أصلا بالدرجة السياحية، ومعرفة سابقة بطاقم الطائرة تفتح الباب لمجاملة من هذا النوع إكراما للعِشرة.

 

●●●

 

فى المرة الثانية استوقف الشباب الثلاثة المضيفة وكرروا عليها السؤال نفسه مع شئ من التهكم فأعادت عليهم إجابتها ولم تفقد ابتسامتها. وعندما أعادوا الكرة فى المرة الثالثة بذلتُ مجهودا كبيرا لأقاوم رغبتى فى الانتصار لهذه الفتاة الشابة التى تعد من القليلات جدا من مضيفات شركة مصر للطيران التى تنطبق عليها شروط العمل من حيث العمر والقوام والمظهر وجودة اللغة الأجنبية. نهرت نفسى قائلة: هى تحسن التصرف، صحيح أن هذا السلوك مستفز إلى أبعد درجة، وصحيح أن التحرش بالمضيفات الجويات يمثل أحد الطقوس التى يلجأ إليها أراذل الركاب للتسلية  خصوصا فى الرحلات الطويلة، وصحيح أننى أكتب عن التحرش وأتظاهر ضده، لكن فى النهاية يوجد أمن بالطائرة وهو قادر على التدخل فى أى لحظة، ولا أظن أنه سيحتاج للتدخل مع هذا المستوى من التحرش ما لم تمتد إلى المضيفة يد.

 

القصة برمتها أعادتنى إلى الوراء لأكثر من ثلاثين عاما عندما جلست على هذا المقعد نفسه فى الطائرة المتجهة إلى باريس لمهمة علمية خاصة بأطروحتى للماجستير. كانت تلك هى المرة الأولى التى أرى فيها رأى العين الستار الفاصل بين الدرجتين السياحية ورجال الأعمال، وبالتالى كان الانطباع الذى تولد داخلى مختلفا بالكلية عن ذلك الذى تكون من كل مشاهداتى السينمائية. خيال الشباب فى ذلك الحين، ومغامرة السفر لعاصمة النور للمرة الأولى، وقلة الخبرة والتجربة عوامل اجتمعت لتنمى فضولى لمعرفة ما وراء الستار. فى كل مرة كانت المضيفة ترخى الستار آنذاك لتقدم لركاب درجة الأعمال خدمة خاصة كان خيالى يشطح بعيدا فأتصور عالم ما وراء الستار مليئا بالمفاجآت والأعاجيب. ترى ماذا يفعلون؟ هل طعامهم ألذ؟ سمعت أنهم يحصلون على هدايا رمزية فما هي؟ لماذا يقرأون الصحف التى يحبونها ولا نقرأ نحن إلا ما تبقى منهم من صحف؟ ولماذا مضيفاتهم أرشق وأجمل وأكثر بِشراً؟ ولم ينقذنى من تساؤلاتى إلا ملامسة عجلات الطائرة أرض مطار أورلى.

 

●●●

 

مرت على السابقة الأولى سنون عددا ركبت فيها جميع أنواع الطائرات، وتنقلت بين صفوف الدرجة السياحية ما شاء لى التنقل. وكانت المناسبة التى سمحت لى أن أعبر إلى ما وراء الستار الفاصل بين الدرجتين، رحلة إلى جنوب أفريقيا على الخطوط السنغافورية. كان الحال هو نفسه حال طائرة برلين، اكتظاظ فى الدرجة السياحية، وبراح فى درجة رجال الأعمال عندما انتبهت على صوت المضيفة تنطق اسمى ومعى اثنين آخرين وقع علينا الاختيار لتصعيدنا إلى الدرجة الأعلى. لا أذكر أننى فزت فى أى قرعة من قبل، ولم أكن أعرف أن التصعيد إلى درجة رجال الأعمال يمكن أن يأتى عن طريق القرعة، لكن الذى أذكره تماما وأعرفه أن فرحتى بهذا الحراك الطبقى كما يقول علماء الاجتماع كان فرحة لا توصف. أزحت الستار الفاصل بين الدرجتين، وتقدمت إلى الأمام كما يفعل الغزاة الفاتحون، وجلست على المقعد الذى وجهونى إليه، واستمتعت بأحد أجمل المشاعر الإنسانية على الإطلاق: الشعور بالمساواة.

 

من هذا التاريخ فَقَدت درجة رجال الأعمال سحرها البديع، نعم أكلت أكلهم وحصلت على هداياهم لكنى اكتشفت أن المجهول أخاذ بأكثر كثيرا من طبيعته. هل المجهول هو الذى فقد بريقه أم أن العادة قاتلها الله هى التى تفقد الأحاسيس بكارتها؟... لا أدرى لكننى بالتدريج فقدت اندهاشى من أشياء كانت تبدو لى حتى متجاوزة لقدرتى على الخيال، المقعد السريرى الذى يشعرك بأنك فى أحد عنابر المدارس الداخلية، شاشة التلفزيون المثبتة على ذراع المقعد تقلب فيها ما شئت من قنوات، ألعاب البلاى ستيشن لهواة هذا النوع من التسلية، أدوات المائدة الفضية الغالية، المضيفة التى تخرج لك بين حين وآخر كما يخرج الجنى من الفانوس السحرى وتسألك « شبيك لبيك». لم أعد أشعر بالتميز، والأخطر أننى لم أعد أُقدر مرارة الشعور بعدم المساواة.

 

●●●

 

عندما أزيح الستار الفاصل بين الدرجتين، أسدل الستار على تاريخى والذكريات، تثاءب جيرانى الشباب فى مقاعدهم، ودبت حركة شيطانية فى كل الركاب بعدما استقرت الطائرة على أرض مطار شنوفيلد فى برلين. عبرت درجة رجال الأعمال فى طريقى للنزول عبورا عاديا، وشددت على يد المضيفة الرائعة، وذُبت مع جموع المسافرين.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات