قبل 11 يناير 2011 كانت صلتنا نحن المصريين بالجرافيتى صلة محدودة لا تتقاطع مع السياسة إلا فيما ندر، وهذا منطقى لأن الجرافيتى تجسيد للواقع ولما كان واقعنا خلوا من السياسة لعقود، لم يكن هناك مكان للجرافيتى السياسى. ولذلك فإنه ما عدا مواسم الانتخابات التى كانت تشهد مبارزة بين شعارات المرشحين المتنافسين، ظل الجرافيتى وثيق الصلة بالمناسبات الاجتماعية ومعبرا عن عادات وتقاليد نشأنا وتربينا عليها.
على جدران المنازل فى الأحياء الشعبية والقرى اعتدنا أن نشهد قبيل موسم الحج ذلك الرسم الشهير لجمل فى طريقه إلى الكعبة وتحته باللون الأبيض عبارة: حج مبرور. فرغم كل التطور فى وسائل المواصلات توقفت الذاكرة الجمعية للمصريين عند لقطة الحج على ظهور الدواب تواصلا مع عصر النبوة وتشبها بصدر الإسلام. وعلى الحوائط الملاصقة للمتاجر والحوانيت تعارفنا على رؤية الكف المغموسة فى الدم تؤشر إلى أنه ها هنا وضع إنسان ما شقاء عمره وحصنه بهذا القربان ضد الحسد، أما أسفل الكف الأحمر فتوجد أمثلة شعبية وأحيانا المعوذتان. لا شىء ينافس هذا الكف فى انتشاره إلا العين الزرقاء التى شاع بقوة اعتقاد أنها تدرئ الحسد، وللعجب فإنها تشيع بالفعل سلاما نفسيا داخليا مؤسسا على مجرد وهم. فى كل الأحوال كانت وظيفة الجرافيتى اجتماعية بامتياز.
●●●
ثم أشرقت شمس يناير فأصبح الجرافيتى واحدا من أبرز أدوات النضال السياسى، جأرت الرسوم والكلمات بالشكوى من ثنائية الفساد والاستبداد، نُصبت المحاكم الثورية على الحوائط وصدر الحكم فيها بالإعدام، امتدت لوحات الشرف بطول شوارع محمد محمود وماسبيرو ومجلس الوزراء تسجل أسماء الشهداء الذين رووا الأرض بدمائهم، وكٌتبت عبارات تندد بحكم المرشد على أسفلت المقطم قبل أن تشعل مواجهة بين الفرشاة والسلاح الأبيض. وبقدر ما دار كر وفر بين الثوار وبين أجهزة النظام فى ظل حكم المجلس العسكرى ثم فى ظل حكم الإخوان، كان هناك كر وفر مماثل بين الشعارات والشعارات المضادة.
وعندما ثار المصريون مجددا فى 30 يونيو الماضى، بدأ فصل جديد من حرب الجرافيتى بلغ ذروته بعد فض اعتصامى رابعة والنهضة. على طول طريق صلاح سالم صراع جرافيتى لا يتوقف بين مؤيدى يونيو ومعارضيه. جملة واحدة مررت عليها يوما فرأيتها تتقلب من نقيض لنقيض، فى ذات يوم قرأتها يسقط حكم العسكر، وفى يوم آخر قرأتها سقط حكم الإخوان وهكذا دواليك، أما أخر مرة فكان نصها يسقط حكم دون تكملة، نسى مزيلو الشعار تحديد خصمهم فأصبح المطلب هو سقوط حكم مجهول الهوية، لطيف.
●●●
ووسط هذا التسابق على الوصول إلى الجدران لتسجيل المواقف السياسية، يخطف نظرك لفظ الجلالة أبيض ناصعا وقد توسط مساحة مشوهة من العبارات المطموسة قبله وبعده، خشى المزيلون إزالته فظل لفظ الجلالة شاهدا على ما تفعله السياسة بالدين من أفاعيل.
حرب الجرافيتى لا أفق محدودا لها، فهى من ذلك النوع من الحروب المفتوحة التى يصعب الحسم فيها، لأنه لا الدولة ستكف عن إزالة العبارات البذيئة على مؤسساتها السيادية وآثارها وجامعاتها وأزهرها وكنائسها ووسائل مواصلاتها، ولا المتظاهرون سيتوقفون عن تكرار عبارة «مبروك على الطلاء الجديد» مع كل كتابة على حائط ما زال الطلاء عليه نديا لم يجف.