لا أفق سياسى لما بعد الحرب على غزة، كلام عام ومبهم، مفاوضات معطلة وفوضى لافتة فى خطط الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب».
كان استدعاء رئيس الوزراء البريطانى الأسبق «تونى بلير» ومستشار الرئيس الأمريكى فى ولايته الأولى وصهره «جاريد كوشنر» إلى ملف غزة بكل تعقيداته ومآسيه مقلقا بذاته.
أضفى البيت الأبيض على الاجتماع، الذى ضم الرجلين إلى الرئيس الأمريكى وعدد من كبار مساعديه تكتما مشددا باستثناء بعض التسريبات، التى تبارت فى نشرها المواقع الصحفية الأمريكية.
فى التكتم إشارة إلى خطورة الاجتماع، غير أن البيت الأبيض مال إلى تخفيض أهميته قبل أن يبدأ!
غاب العرب، كلهم لا بعضهم، عن المداولات، التى تدخل فى صميم مستقبلهم ووجودهم، فيما حضرها «رون ديرمر» وزير الشئون الاستراتيجية الإسرائيلى ممثلا شخصيا موثوقا لرئيس الوزراء «بنيامين نتنياهو» حتى يلم بأدق ما حدث فيها.
رغم شح المعلومات والتسريبات إلا أن خلفية الوافدين الجديدين القديمين «بلير» و«كوشنر» أضفت أجواء شك وريبة على توجهات الاجتماع وما قد يسفر عنه.
الأول، سجله السياسى فى أزمات وحروب الشرق الأوسط لا يشجع على أى ثقة. وفق الوثائق الرسمية، التى احتواها تقرير لجنة التحقيق البريطانية فى ملابسات حرب العراق برئاسة السير «جون تشيلكوت»، تعهد «بلير» فى رسالة خطية للرئيس الأمريكى «جورج دبليو بوش» بالمضى معه إلى النهاية فى «سبتمبر - ٢٠٠٢» قبل الغزو بشهور طويلة.
كعادة التغطيات الصحفية الدولية لمثل هذه التقارير، فإنها تلتقط من بين آلاف الصفحات والوثائق والشهادات ما هو جوهرى وكاشف.
وقد وجدت فى رسالة «بلير» بخط يده ما يثبت توجهه لدعم سياسات «بوش» بغض النظر عن أية قواعد تقتضيها مسئولياته، أو أية مصالح بريطانية.
رغم اعتذار «بلير» لأسر الضحايا البريطانيين إلا أنه يصر على عدم تحمله أية مسئولية عن تفشى الإرهاب، ولم يجد فى نفسه أية نزعة لاعتذار مماثل للضحايا العراقيين ولا لما جرى فى العالم العربى، ومن بينه تقويض القضية الفلسطينية التى تولى لثمانية أعوام رئاسة «الرباعية الدولية» بحثا عن حل لها دون جدوى.
كان إسناد ذلك المنصب إليه نوعا من المكافأة الأمريكية على دوره فى الحرب على العراق.
وقد حصل على مكافآت أخرى من العالم العربى!
فشل تماما فى مهمته لإنجاز اتفاق شامل فلسطينى إسرائيلى، وكان انحيازه لإسرائيل كاملا.
والثانى، مستشار «ترامب» للشرق الأوسط فى ولايته الأولى، وهو مهندس ما أطلق عليها «صفقة القرن».
بقوة الحقائق تقوضت «صفقة القرن»، التى بمقتضاها يحصل الإسرائيليون على كل شىء ولا يحصل الفلسطينيون على أى شىء.
كان مطلوبا أن يسلم الفلسطينيون بأن القدس عاصمة أبدية وموحدة للدولة العبرية، وهذه مسألة دونها حمامات دم لا يعرف أحد آخرها، فللقدس رمزيتها الدينية التى يستحيل تجاوزها.
كان مطلوبا نوعا من الإقرار بضم الكتل الاستيطانية إلى إسرائيل، وهذه مسألة دونها صدامات حياة أو موت لأكثر من (2.5) مليون فلسطينى يعيشون فى الضفة الغربية.
كان مطلوبا شطب حق العودة المنصوص عليه فى القرارات الدولية، وهذه مسألة لا يملك أحد التصرف فيها بالنظر إلى أن هناك كتلة فلسطينية كبيرة تعيش فى المخيمات ومناطق اللجوء، ويستحيل تصور أن تقطع صلاتها بجذورها فى الأرض المحتلة.
وكان مطلوبا ربط أجزاء من شمال سيناء بقطاع غزة كأنه مشرط جراحى يتلاعب بالجغرافيا السياسية التاريخية لمقتضى المصالح الأمنية الإسرائيلية وحدها.
لم يكن أحد فى القاهرة مستعدا لمجرد الاستماع إلى ذلك الاقتراح، حسب ما نشره فى ذلك الوقت موقع «ديبكا» الإسرائيلى.
ثم كان مطلوبا كاقتراح بديل إنشاء مناطق صناعية فى شمال سيناء لتوفير الوظائف لسكان غزة وميناء بحرى لانتقال مواطنى القطاع منه وإليه تحت إشراف قوات الاحتلال، وانتهى أمره إلى نفس الفشل.
تكاد تتلخص «صفقة القرن» فى خلق الحقائق على الأرض بالقوة واستبعاد أية مرجعيات دولية، أو جداول زمنية، مقابل وعود بتحسين شروط الحياة فى قطاع غزة المحاصر وفصل مصيره عن القضية الفلسطينية.
بتلخيص مفرط فى عنصريته يرى «كوشنر»، أن الصراع العربى الإسرائيلى ليس أكثر من نزاع عقارى!
الأفكار نفسها تطرح نفسها من جديد فى ظلال حربى الإبادة الجماعية والتجويع المنهجى.
جوهرها إلغاء القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطنى، وإعادة طرح مشروع تحويل قطاع غزة إلى واجهة سياحية واستثمارية «ريفييرا الشرق الأوسط» والعودة إلى مشروعات التهجير القسرى.
إنها أفكار «كوشنر».
بنص تعبيره: «إن الواجهة البحرية لغزة يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة إذا ما تم إخلاء المكان من سكانه ثم تنظيفه».
طرح فكرته على «ترامب» فى ولايته الأولى.
بعد شهر واحد من عودته إلى البيت الأبيض وجدت طريقها إلى العلن.
المعنى الواضح والمباشر للعودة إلى مثل هذه الأفكار والمشروعات، التى يتبناها «بلير» هو الآخر، أن سيناريو التهجير القسرى ماثل على الحدود المصرية، غير أنه أكثر دهاء من أن يدعو علنا إلى ذلك الخيار.
بصورة أو أخرى فإن إدارة «ترامب»، وهى تخطط لليوم التالى، تميل إلى إفساح المجال لتوسيع العمليات العسكرية الإسرائيلية فى غزة حتى يكون ممكنا الوصول إلى هذه النقطة الخطرة.
بذرائع إنسانية مدعاة سوف يتم دعوة الفلسطينيين إلى مغادرة غزة.
الخطط الترامبية المقترحة أقرب إلى حقيبة متفجرات تقذف بالمنطقة كلها إلى المجهول.