الفستان السيكلامان - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 12:04 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

الفستان السيكلامان

نشر فى : الخميس 1 يوليه 2010 - 10:38 ص | آخر تحديث : الخميس 1 يوليه 2010 - 10:38 ص
كانت أشعة الشمس القاسية قد انكسرت حدتها فى ذلك اليوم من شهر يونيو، مؤشر الحرارة المنتصب فوق عامود فى وسط الطريق يشير إلى الثامنة والثلاثين وقارئو نشرات الأخبار يقولون إن الحد الأدنى لدرجات الحرارة أربعة وعشرون، فأيهما نصدق أرصادهم أم إحساسنا؟ أخذت شوارع القاهرة تستعيد زحامها المعتاد بعد أن خرج الناس لقضاء حوائجهم المؤجلة منذ الصباح، فاليوم هو يوم السبت الإجازة الأسبوعية للأسر المصرية، ولا شىء يجبر أحدا منا على أن يكتوى بلهيب شمس النهار إلا أن يكون مضطرا.

وفى وسط البلد كان كل شىء على حاله، الباعة يفترشون الأرصفة يعرضون بضاعتهم فى قبح وفوضى، أفيشات السينمات فى انتظار أن يأتى الغروب حتى تضوى أنوارها الملونة معلنة عن أقوى أفلام الصيف، واجهات المحال تعرض كل شىء فى تناقض غريب من لوازم عمرة رمضان وحتى مايوهات الجنسين، بعض بقايا مصر التى كنا نعرفها لازالت هناك: تمثال مصطفى كامل، جروبى، مكتبة مدبولى، قهوة ريش….. كأن شيئا لم يتغير مع أنه فى الواقع تغير كل شىء.

عندما دخلت أربع نساء إلى محل الأزياء الشهير فى شارع قصر النيل لم يكن أحد من الزبائن يعرف أى قصة جميلة تختبئ وراء ظهورهن. ثلاثة أجيال فى أسرة واحدة، جدة تجاوزت الثمانين بسنوات، وابنة فى نحو الخامسة والأربعين، وحفيدتان ممشوقتان فى شرخ الصبا.

جلست الجدة على أول مقعد صادفها دون مساعدة، ملامح وجهها تكشف عن بقايا حُسن قديم، شعرها شاهق البياض جيد التصفيف وهندامها الأنيق ينمان عن اهتمام بمظهرها بتنا نفتقده فى ذواتنا كما افتقدنا قيما أخرى جميلة.

تخطف قلبك من أول نظرة، فهى أمك فى سنواتها الأخيرة، أو جدتك التى سمعت حكايات عنها ولم تكتحل عيناك برؤياها قط، ترتعش أناملها وشفتاها بلا توقف، وتخرج كلماتها بصعوبة لكن أيضا بكبرياء، لا تتكئ على عصا مع أنها قد تكون فى أمس الحاجة إليها.

من حديث الابنة والحفيدتين مع بائعة المحل يتبين أنهن جئن لشراء فستان سواريه للجدة لى لى كما تنامى إلى أسماعنا. الأرجح أن إحدى الحفيدتين تنتظر مناسبة سعيدة: خطبة أو قران وربما نصف إكليل أو إكليل، وأن الكل جاء فى صحبة الجدة بحثا عن ثوب يليق بالحدث.

صعدت الحفيدتان الدرج الموصل للطابق الأعلى حيث تُعرض فساتين السواريه، لم يكن ممكنا أن تصحبهما الجدة لأسباب مفهومة فظلت حيث هى تجول بناظريها فى المكان وتتفرس فى الوجوه. لا شك أن أكثر من واحد كان لا يمانع فى أن يصعد مع الحفيدتين ويأتى إلى لى لى بما يرضى ذوقها، فكلنا نحمل ضعفا خاصا تجاه الشعر الأبيض.

عندما نزلت أول حفيدة متواثبة تحمل فستانا أسود بشريط من الساتان اللامع، أشاحت الجدة بوجهها كأن الأمر لا يعنيها. لم يكن هذا إذا هو المطلوب. وتكرر المشهد نفسه مع الحفيدة الثانية حين عرضت على لى لى فستانا بُنينا موشى بخطوط رفيعة من القصب. هى إذا لا تحب الألوان الداكنة.. تعاطفت معها بلا مدى.

كعادتنا عندما ننهر الأبناء لأنهم لا يحسنون صنعا ولا يجيدون البحث عن شىء، اضطرت الأم أن تصعد بنفسها إلى الطابق العلوى لعلها تجد ضالتها. ثوان ونزلت تخفى خلف ظهرها ما تثق أنه سوف يروق إلى لى لى.. توجهت لها قائلة: أعرف أنك تعشقين اللون السيكلامان.

وأخرجت مفاجأتها ومفاجأتنا، ثوب شانيل لونه بين البرتقالى والوردى يعلوه جاكت من اللون السيكلامان نفسه، وتنثر على حافة الجاكت والأكمام وردات صغيرة لا تكاد ترى تتوسطها حبات من اللؤلؤ الفضى. لمعت عينا الجدة فى بريق لا أحلى منه، وارتعشت شفتاها أكثر من فرط الانفعال، وخرجت منها صيحة إعجاب رائعة: أووووووووه….كان هذا إذا هو بيت القصيد.

فهمت الابنة دخيلة أمها، أما الحفيدتان فباعدت بينهما وبين الجدة عقود أطول وعِشرة أقل. دخلت النساء الأربع إلى كابينة تغيير الملابس، وخرجن وقد بدت لى لى فى كامل بهائها، ارتدت الفستان السيكلامان، ووقفت أمام المرآة فيما البائعة تنفذ أوامر الابنة والحفيدتين لإدخال بعض الإصلاحات اللازمة، وتأملت مليا هندامها.

فى نظرة الجدة الطويلة إلى المرآة، بدا وكأنها تعود إلى الماضى ولا تعيش اللحظة. فترى ماذا كانت تستعيد هذه الـ«لى لى» الجميلة؟... أمسية مثل هذه الأمسية من خمسين عاما أو يزيد تجلس فيها إلى التواليت تتزين استعدادا للخروج مع الزوج. ترتدى الثوب ذا المربعات الضخمة كما هى موضة هذه الأيام، وتنسدل أطرافه المنتفخة بفعل چيبونة من التُل المُنشى تكاد تخفى معالم المقعد الذى تجلس عليه لى لى. تلف حول عنقها عقدا من الكريستال الملون الأرجح أنه مهرب من غزة، وكانت ماتزال تحت الإدارة المصرية، كغيره من البضائع.

وتضع قليلا من عطر Soir de Paris الذى كانت ترشه على أعناقهن نساء الطبقة الوسطى فى الخمسينيات دون أن تكون أمامهن خيارات كثيرة. تحمل حقيبتها الضخمة مع أنها لا تعمل، تترك الأبناء فى رعاية المربية لساعة أو بضع ساعة وتذهب مع الزوج لتناول كوبين من عصير المانجو فى كازينو النهر الملاصق لكوبرى قصر النيل.

هل كانت لى لى تتذكر أم كنت أنا التى تتذكر؟ لا فارق كبيرا، فالماضى يسكننا جميعا. انتهت عملية إصلاح الفستان، ودارت لى لى نصف دورة تلقى النظرة الأخيرة على ثوبها الجديد وتتخيل كيف سيستقبلها الحضور عندما يأتون إليها مهنئين. كم هو جميل أن نحب الحياة فى كل مراحل العمر، مؤكد أن لى لى لا تثق كل الثقة فى أنها سوف ترتدى فعلا فستانها السيكلامان ومؤكد أنها لا تعرف إن كان القدر سيمهلها حتى ترى حفيدتها عروسة أم لا، لكن من منا يثق ويتأكد أو حتى يعرف إن كان سيلبس ثوبه غدا؟ فلماذا إذا لا يكون آخر ما نختاره من ألوان هو أبهى الألوان وأزهاها؟ لا يفل الإحباط إلا التفاؤل، ولا تبدد مشاعر الحنق والكمد والأسى إلا شخصية مثل شخصية الجدة لى لى.

سألتنى البائعة: أى خدمة يا مدام؟ هززت رأسى بالنفى وإن نبهنى سؤالها إلى أنه لم يكن لدى فعلا ما أبحث عنه فى وسط البلد، فالأرجح أنه لولا لى لى وابنتها وحفيدتيها ما كنت وجدت من الأصل فى هذا الإطار.
نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات