كتاب جماهير بيروت.. متى سيُقرأ؟ - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الخميس 27 فبراير 2025 6:42 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

كتاب جماهير بيروت.. متى سيُقرأ؟

نشر فى : الأربعاء 26 فبراير 2025 - 8:25 م | آخر تحديث : الأربعاء 26 فبراير 2025 - 8:25 م

إنه واجب إنسانى وقومى أن نقرأ بتمعن ذلك الكتاب الذى كتبه مشهد مليون ونصف مليون شخص يوم الثالث والعشرين من هذا الشهر فى بيروت. إنه يوم ينطبق عليه قول أحد الشعراء: «ابكِ أيها العالم الثقيل.. ابكِ وأنت تدور حول ذاتك.. موشحًا بالضباب».
إنه كتاب فلسفة قال عنها الفيلسوف اليونانى سقراط «ما الفلسفة إن لم تكن هى دراسة الموت».
وهو كتاب عن الشهادة لخّصه الشاعر البريطانى أودن فى بيت شعر واحد: «حتى الشهادة المحيرة ستأخذ مجراها».
وهو استجابة لنداء البطولة الذى تلفظ به شاعر بولندى: «رب لا تدعنى أموت فى فراشى، رب دعنى أموت فى ساحات النضال فى سبيل الحرية».
أخيرًا هو كتاب دين يصف شخصيتى شهيدين حاولا العيش بصدق وتواضع حسب قول ينسب للنبى محمد (صلعم): «تخلقوا بأخلاق ربى إن ربى على صراط مستقيم»، وهو تفسير رسولى مبهر لقول رب العزة فى قرآنه الكريم «ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم».
سيحتاج شباب وشابات الأمة أن يدرسوا تفاصيل ذلك الكتاب بأوجهه المختلفة من أجل إغناء حياتهم الشخصية ومن أجل إضفاء النبل والمروءة على نضالاتهم السياسية المستقبلية.
وفى سبيل قراءة صحيحة دعوهم أولًا أن يتخلصوا مما قد يعيق تلك القراءة الصحيحة من مثل المشاعر الطائفية المريضة أو الاستماع إلى أصوات الاستخبارات الاستعمارية والصهيونية المشككة فى معانى المشهد البيروتى المجسّد للهوية العروبية الجامعة والأخوة الإسلامية المتعاضدة ولمعانى القيم الإنسانية الدولية الصحيحة. دعوهم يبتعدون عن طرق الشخصنة المليئة بالمطبات، ويسلكون طرق المبادئ والقيم وإشارات السّمو الكبرى.
وكمدخل لذلك الابتعاد عن المعيقات دعوهم يطرحون السؤال المفصلى التالى الذى ستكون الإجابة عليه تفسيرًا لكل سلوك مارسه الشهيدان ولكل تضحية قدماها. السؤال المفصلى هو: هل كان باستطاعة القائديْن أن يقفا فى جنوب لبنان ساكنيْن، وهما يشاهدان مذبحة الهولوكوست الاستعمارى الصهيونى بحق الشعب الفلسطينى فى غزة وسائر فلسطين، وهى تحصد أرواح الأطفال وأمهاتهم، وتحرق منازلهم، وتسكنهم فى العراء ليل نهار، ولا تبقى لهم مدرسة ولا مستشفى ولا مستوصفًا إلا وتحاصرها وتقتل العاملين فيها، وتأسر شاباتهم وشبابهم لتضعهم فى سجون تعذيبها وإذلالها واعتدائها المخزى على الشرف والعفّة؟
هذا السؤال المفصلى الأساسى سيطرح الكثير من الأسئلة الفرعية: ما حدود الالتزام الوطنى إزاء الالتزام القومى والإسلامى، ومتى يعلو الواحد على الآخر؟ وما إمكانيات النوم بسكينة مع الضمير المعذب الغاضب؟ وما الخط الأحمر الذى يفصل الجبن عن الشجاعة والمروءة عن الذل؟
فقط بعد الإجابات الصحيحة الأخلاقية عن تلك الأسئلة يستطيع الإنسان أن يشير إلى هذا الفعل فيعتبره خاطئًا فى هذا التفصيل أو مستعجلًا فى هذه الخطوة أو غير ذلك من ملاحظات قابلة للأخذ والعطاء وللإبقاء أو الإلغاء.
أخيرًا، ليطرح السؤال المفصلى الذى يجب ألا يُنسى قط: حتى لو وقف الشهيدان فى جنوب لبنان كمتفرجيْن، فهل كان العدو سيقف ساكنًا، إن عاجلًا أو آجلًا، بشأن وطنهما الصغير ووطنهما الكبير؟ هل كانت القضية هى غزة أم أن القضية فى ذهنهما كانت الصراع العربى والإسلامى الوجودى ضد المؤامرة الصهيونية وحلفائها التى لن تقف عند حدود ولن يكون لها سقف؟
مشهد بيروت كان مماثلًا لمشهد القاهرة، وهى تودع جثمان الزعيم الراحل جمال عبدالناصر. فى ذلك اليوم كتبت الجماهير كتابها، لكن مع الأسف حتى اليوم لم يُقرأ بما فيه الكفاية ليفعّل ما فيه.
ما يأمله الإنسان هو أن تقرأ الشابات العربية والشباب العربى كتاب بيروت بشكل أفضل لينتقلوا لتفعيله فى المستقبل القريب.
هذه أمة تعودت ألا تقرأ كتب أبطالها، وقد آن الأوان أن تقرأ ثم تفعّل.

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات