في مسألة كتم الفتوى - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:32 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

في مسألة كتم الفتوى

نشر فى : الخميس 30 أبريل 2009 - 10:33 ص | آخر تحديث : الخميس 30 أبريل 2009 - 10:33 ص

 استلفت انتباهها خبر منشور على الصفحة الأولى من جريدة الدستور يوم الخميس 23 أبريل الماضى فتوقفت أمامه. قال الخبر «القرضاوى يعترف: كتمت بعض الفتاوى تجنبا لهياج العامة»، مضمون الخبر كان مثيرا فى حد ذاته وزاد من إثارته أن صانعه ليس رجلا عاديا بكل المقاييس فهامة الشيخ يوسف القرضاوى دونها هامات كثير من أهل الرأى والفتوى. أشار الخبر أن التفاصيل مذكورة فى الصفحة الأخيرة فأخذت تقرأ الجريدة من الخلف.

فى تفاصيل الخبر المثير نُقِل عن الدكتور يوسف القرضاوى قوله إن هناك علماء متحررين يجرون وراء الدليل وقد يصلون باجتهادهم إلى آراء قيمة، لكنهم يحبسونها فى صدورهم أو يسرون بها إلى خاصة الخاصة «خشية هياج العامة أو سخط الخاصة، وخوفا من أن تتعرض سمعتهم للتشويش من الحَرفيين والجامدين» وضرب الشيخ مثلا لهؤلاء العلماء المتحررين بنفسه وبالشيخ أبو زهرة، أما هو فقد كتم إباحة مصافحة الرجل للمرأة فى حال الضرورة وبمأمن من الفتنة ولم يعلن رأيه إلا بعد سنوات. وأما الشيخ أبو زهرة فقد أخفى تحريم رجم الزانى المحصن بحكم أن هذا الحد كان سائدا عند اليهود فأقره الرسول فى بدء الرسالة ثم جاءت سورة النور لتنسخه.

هى لم تفهم بالضبط معنى كتمان الفتوى لسنين، وما إذا كانت تعنى صمت الشيخين فى حال وجه إليهما أحد سؤالا عن المصافحة وحد الزنا، أو تعنى إفتاءهما له بعدم جواز المصافحة ولزوم رجم المحصن، فهذا غير ذلك مع أنه فى الحالتين لا يتم تبليغ السائل حكم الشرع من منظور عالمين جليلين. كما أنها لم تفهم كيف يُفتى للخاصة بل لخاصة الخاصة بغير ما يُفتى به للعامة، وأثر ذلك على ما يفترض أنه وحدة الأمة الإسلامية بحيث يكون للواقعة الواحدة حكمان مختلفان.

قدرت للشيخ يوسف القرضاوى شجاعته فى التصريح بما قال خاصة ولما تهدأ بعد الزوبعة، التى أثارها وصف فضيلته الشيعة بـ«المبتدعين» و«مساعيهم» لغزو المجتمع السنى «بالخطرة»، لكنها شجاعة متأخرة ورسالة كاشفة عن انخفاض سقف الاجتهاد عند العلماء الذين اعتبرهم الشيخ متحررين، وهذا خطير. ففى مجتمع شديد التدين كالمجتمع المصرى يبحث أهله عمن يفتيهم بحرمة كل شيء وحلاله وصولا إلى وجبة الفسيخ فى شم النسيم، يكون المعنى المباشر لامتناع العلماء العدول عن قول كلمتهم هو إخلاء الساحة لفتاوى المتنطعين وفقهاء التحريم وشيوخ الفضائيات النجوم.

عادت بذاكرتها إلى واقعتين هزتا المجتمع المصرى بشدة قبل فترة ولم يفصل بينهما إلا ثلاثة أعوام، الأولى واقعة اغتيال الكاتب فرج فودة فى عام 1992، والثانية واقعة الاعتداء على الأديب الكبير نجيب محفوظ فى عام 1995. لم يعرف الجناة فى الحالتين شيئا عما كتبه فرج فودة ولا قرأوا حرفا واحدا من رواية «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ فقد كان منهم بائع السمك والطالب الفاشل ورد السجون. لكن ما جمع بينهم أنهم كانوا مجرد أدوات لإعمال فكر أفتى لهم أولا بكفر الرجلين، وثانيا بوجوب قتلهما فى دولة تعطل شرع الله، وثالثا بعدم جواز القصاص من القتلة لأنهم يقيمون حد الله ويزعون به.

مثل تلك الفتاوى المدمرة كثير، ومن السهل حشد المئات منها تبيح دم الحاكم وتستحل أموال المسيحيين وتضع المرأة فى أسفل سافلين. تسمى القتل جهادا والترويع غزوا والمسروقات غنائم. تقسم العالم إلى فسطاطين وتجند شبابا لا يعرفون من أمر دينهم إلا القشور وتدفع بهم إلى الصفوف الأمامية بينما يجلس أصحاب الفتاوى فى ملاجئهم وكهوفهم ينظـرون. حتى إذا ما قدر لهؤلاء المفتين أن يراجعوا فكرهم بعد حين يكونوا قد غرسوا بالفعل ألف بذرة من بذور التعصب فينجون بأنفسهم ويهلكون الآخرين.
فى مواجهة هذه الظاهرة وهذا الفكر لا يٌقبل من العلماء العدول الاستقالة من دورهم فى إفتاء الناس فى أمور دينهم وإن لزم الأمر فى بعضٍ من شئون دنياهم. وذلك أن جزءا أساسيا من شرعية عالمِ الدين ينبع من جهره بالرأى وثباته على الحق وقدرته على الحفاظ على استقلاليته. وعلى سبيل المثال فإنه كان بإمكان رجل مثل الإمام أحمد بن حنبل أن ينجو بنفسه ويساير الخليفة فى مسألة خلق القرآن كما فعل سواه من القضاة، كما كان بإمكانه أن يسكت ولا يحرى جوابا فيلتزم فى الحد الأدنى الحياد. لكنه أبى وإن عانى.

كيف يمكن أن نطمئن إلى فتوى لا نعرف إن كانت تنطق بالحق أم تخضع لاعتبارات المواءمة وتختلف باختلاف الزمان والمكان والجمهور؟ كيف يمكن لأحد أن يلتزم بفتوى ينتابه الشك فى ملابساتها؟ إن عاملا أساسيا من عوامل نفاذية الفتوى مصداقيتها، ولننظر إلى فتوى السلام مع إسرائيل، التى أطلقها المفتى فى 1979، والتى كانت تبرر الجنوح للسلم بدعوى جنوح إسرائيل لها، وكيف لم يقتنع بها المصريون فظلت لا تلزم إلا حكامهم. أكثر من ذلك اضطر الرجل لاحقا لتبرير موقفه والتمييز بين تأييده السلام ورفضه التطبيع مع أن السلام المؤسس على العدل لا نهاية منطقية له إلا التطبيع. فهل عاد يستدرك الشيخ ليقول إن السلام بين مصر وإسرائيل سلام غير عادل؟ الله أعلم، لكن المهم أن موقف المواطن المصرى هو الذى حَور فتوى الشيخ وليست فتوى الشيخ هى التى عدلت سلوك المواطن، وهذا بالضبط هو معنى نقص المصداقية.

إن التذرع بالخشية من هياج العامة ليس عذرا لكتم فتوى يستصوبها صاحبها، وها هو شيخنا الجليل يصرح بفتواه المكتومة مع أن المناخ العام صار أردأ وهياج العامة صار أشد وفوضى الفتاوى صارت مطلقة حتى ليقتل الواحد منا أهل بيته خشية إملاق ويفتى بأنهم شهداء. وعلى أى حال فإن الثورة على عالم شجاع صاحب قضية أفضل بما لا يقاس من عالم مسالم يرحل ولا يترك من ورائه أثرا.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات