هل تأخذ صدمة غزّة إلى قطيعة؟ - سمير العيطة - بوابة الشروق
الإثنين 1 سبتمبر 2025 12:04 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ريبيرو المدير الفني للأهلي

هل تأخذ صدمة غزّة إلى قطيعة؟

نشر فى : الأحد 31 أغسطس 2025 - 7:25 م | آخر تحديث : الأحد 31 أغسطس 2025 - 7:25 م

سيكون على اليهود صياغة هويّة جديدة بعد حرب غزة. هويّة تعتمد روايةً غير تلك التى تُستخدَم اليوم لتبرير المجازر الجماعية والتجويع، بل هويّة أخرى تُبنى أكثر على جذور مغايرة فى الإرث اليهودى تقرّ بالمساواة بين البشر وتُدرِك خطر تبجيل الدولة المبنيّة على الدين على حساب حياة الإنسان. هذا موضوع كتاب أصدره الصحفى الأمريكى بيتر باينارت حديثا فى الولايات المتحدة تحت عنوان «ما معنى أن تكون يهوديًا بعد تدمير غزة؟». كتابٌ خلق ضجّةً ويلقى رواجا كبراً اليوم حسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز».

يرى باينارت، وهو يهودى أمريكى، بأنّ الإبادة الجماعيّة فى غزة تؤدّى إلى نقطة لا عودة لمعنى أن يكون الإنسان يهوديّا فى القرن الواحد والعشرين. ويقول إنّ الفرضيّة الأساسيّة للصهيونيّة الليبرالية «المؤيّدة لإسرائيل، وفى الوقت نفسه للسلام»، مع إمكانية تعايش دولة يهودية وديمقراطية بسلامٍ إلى جانب دولة فلسطينية قابلة للحياة، قد تلاشت بفعل واقع الاحتلال الإسرائيلى المتجذِّر، والتوسّع الاستيطانى، والقوّة الساحقة التى تستخدمها إسرائيل. وبالتالى يجب فصل الارتباط بين الدين اليهودى ودولة إسرائيل، كما الفصل بين الهويّة اليهوديّة والدعم غير المشروط للدولة العبريّة.

هذا كون أنّ الدمج بينهما قد أجبر اليهود على إعطاء الأولويّة لسلطة تأخذ طابعا قوميّا على حساب إرث العدالة والرحمة وحرمة الحياة البشريّة فى الدين. كما أن استخدام ذكرى المحرقة ومكافحة معاداة السامية باتا يُستعملان لحماية السلطات الإسرائيلية من النقد وتبرير عنفها المُفرِط، مما له تبعاته الكارثيّة ليس فقط على الفلسطينيين بل أيضا على أخلاقيّات اليهودية نفسها. هكذا يرى باينارت أن تدمير غزّة هو الدليل القاطع على إفلاس هذا الدمج أخلاقيًا. ويجادل بأن كون المرء يهوديًا يعنى بالضرورة أن يُعلى من شأن نفسه ومجتمعه، حتى ــــ وخاصةً ـــــ عندما يكون معسكره هو من يرتكب الفظائع.

يدعو باينارت إلى يهوديّة لا تُعرَّف بالتضامن العشائريّ والدعم المطلق لدولة قومية، بل على الشجاعة الأخلاقية. ويستند فى ذلك على أسفار الأنبياء فى التوراة، فيستشهد بأشعياء وعاموس، اللذين انتقدا الأقوياء بلا خوف ودافعا عن المستضعفين. مستخلِصًا أن القوّة اليهودية الحقيقية تكمُن فى شجاعة انتقاد الظلم، خاصّة عندما يرتكبه من يدّعون التصرّف باسمها.

ويصل إلى أنّ حلّ الدولتين لم يعُد واقعًا قابلا للتطبيق. فالواقع اليوم هو دولة واحدة، رغم أنّها تعمل حاليًا كدولة فصل عنصرى (أبارتايد)، يتمتّع فيها شعبٌ بحقوقٍ كاملة، بينما يخضَع الآخر للاحتلال العسكرى أو الحصار والقتل. المسار الأخلاقى والواقعى الوحيد هو دولة واحدة ثنائية القومية، يتمتّع فيها اليهود والفلسطينيون بالمساواة الكاملة فى المواطنة. ما يتطلّب بالضرورة إعادة تفكير جذريّة فى الهوية اليهودية، بعيدًا عن القومية الإقصائية.

ويدعو باينارت اليهود الأمريكيين ومؤسّساتهم إلى استخدام نفوذهم السياسى للضغط على السلطات الأمريكية لإنهاء دعمها العسكرى والدبلوماسى غير المشروط لإسرائيل، واشتراط احترام حقوق الإنسان. ويخلُص إلى أنّ درس المحرقة وشعار «يجب ألاّ يتكرّر ذلك أبداً» يجب أن يكون التزامًا عالميًا بمعارضة تجريد أى شعبٍ من إنسانيته وقتله الجماعى. إذ إنّ اضطهاد الآخرين هو فى نهاية المطاف خيانة لضحايا المحرقة.

• • •

هذا كلام لافت من صهيونى أمريكى، يطالب باليوم القطيعة مع الفكر اليهودى السائد فى عزّ غطرسة نتنياهو الذى يسعى لبسط الدولة اليهوديّة نحو النيل والفرات. بالمقارنة، لم تأتِ القطيعة مع فكر «الحرب الصليبيّة لتحرير القدس» حقّا سوى بعد سقوط عكّا الصليبيّة عام 1291. هذا بعد أن حَرَفَ تجار البندقية الحرب الصليبيّة الرابعة عن هذا الفكر نحو تحرير القسطنطينيّة المسيحية الأرثوذكسيّة، وبعد أن عاثت «حملة الرعاة» قتلاً وإبادةً بيهود أوروبا.

هكذا أتى إيراسموس - الذى يتخذه الاتحاد الأوروبى اليوم رمزاً للتبادل المعرفى بين الشباب والجامعات – لينقض مفهوم الحرب المقدسة. ففى أعماله، خاصّة كتاب «شكوى السلام»، جادل بأن الحرب نقيضٌ لتعاليم المسيح فى السلام والمحبة. وسَخِرَ قائلا: «من السخافة محاولة نشر دين المسيح بقوّة السلاح». وقد قوّض هذا النقد الإنسانى التبرير اللاهوتى للحروب الصليبية.

• • •

لكنّ فكرة أخرى نشأت وترسّخت مكان «الحرب الصليبيّة»، وهى الاستعمار، التى تشكّلت من مزيج من «مهمّة تحضير الشعوب» (بما فيها عبر نشر الدين)، وفرض النموذج الأوروبى باعتباره الأعلى فى «سلّم الخليقة البشريّة» (على أولئك «المتخلفين»، بل المعتبرين «حيوانات» وليسوا بشرا)، مع خلفيّة دينيّة عن مهمّة إلاهيّة للهيمنة على العالم وخلفيّة أخرى تختزل العلوم لتبرير الهيمنة كنتيجة طبيعية وحتمية للتفوّق البيولوجى والثقافى. الفكر الاستعمارى جرّد الشعوب المستعمَرة من إنسانيتها، ونَظَرَ إلى الأراضى التى يعيشون عليها أنّها «خالية» يجوز نهب ثرواتها. واعتبر هذه الشعوب عاجِزة عن حكم نفسها، وبحاجة إلى توجيه أبوى. وما أسماه الشاعر روديارد كبلينج «عبء الرجل الأبيض».

لم يسقُط الفكر الاستعمارى وخلفيّاته حقّا رغم نشوء الوعى عن استغلال الشعوب المُستعمَرة، وبروز حركات فكريّة مناهضة له من جون هوبسون وحتّى فرانز فانون أخذت إلى نضالات وإنجازات الاستقلال من الاستعمار المباشر. بل تحوّل إلى فكر هيمنة غير مباشرة، تمّت تسميتها بالإمبرياليّة، أى الإمبراطوريّات التى تجعل «دول قوميّة» تهيمن على «دولٍ قوميّة» أخرى ضعيفة وتنهب خيراتها، خلافا مع فكرة الإمبراطوريّات المتعدّدة القوميّات التى انتشرت حتّى الحرب العالميّة الأولى.

خلفيّة هذا الفكر الاستعمارى والإمبريالى ما زالت حاضِرة جليّةً فى خطابات القادة السياسيين فى الولايات المتحدة وأوروبا، وفيما يسمّى «زلاّت لسانهم». وخلفيّة هذا الفكر هى أساسٌ لعقيدة القادة الإسرائيليين، وخاصّة بنيامين نتنياهو. لكنّه، والممارسات التى تتبعها، تشكّل صدمة لشباب بلادهم الذين ربّوا على أفكار حقوق الإنسان والحريّة. صدمةٌ لم تصِل حتّى الآن إلى فرض قطيعة يدعو إليها العقلاء. والاحتجاجات الشعبيّة على صلافة الممارسة الاستعماريّة يقابلها اليوم التهييج اليمينى المتطرّف ضدّ «الآخرين» (اللاجئين وغيرهم).. بل وصولا إلى القمع المباشر.

• • •

الصدمة من صلافة الممارسة «الاستعماريّة» اللا إنسانيّة ليست حكرًا على اليهود وعلى شعوب أوروبا وأمريكا. بل من المفترَض أن تكون أكبر لدى الشعوب العربيّة والإسلاميّة عموما. إلاّ أنّها صدمة لم تأخذ حتّى اليوم إلى المطالبة بقطيعة مع أفكار ما زالت سائدة.

«الحضارة الإسلاميّة» كانت دوًما متعدّدة الديانات والأقوام، حيث قامت على «حريّة الضمير». مفهوم «الجهاد» فيها تمّ تحويله من نداءً للدفاع ضدّ غزوات الخارج وصراع فردى روحى داخلى ضد الغرائز والخطايا (الجهاد الأكبر) إلى مشروع عنفى يرفض «الآخر»، حتّى الآخر الذى تتشارك معه فى صنع حضارةٍ فريدة. ألا تكفى فظاعات «داعش»، حتّى ضدّ مسلمين، فى خلق صدمةٍ وقطيعة؟ 

و«العروبة» نشأت كفكرةٍ تحرريّة جامعة ضدّ الاستعمار. لكنّ اعتمادها كأساس لإنشاء دولة تمّ تقويضه منذ سايكس بيكو ونكسة 1967. أليس هناك صدمة وقطيعة لتحويلها إلى أساسٍ لفكرةٍ إنسانيّة تعتمد المساواة الكاملة فى المواطنة لكلّ من يسكن أرضا ودول عربيّة ولشراكةٍ عربيّة لصنع الازدهار؟

لا مطالبة عربيّة بقطيعةٍ اليوم. إذ إن البعض يعمل اليوم على تهييج الغرائز، ضدّ «الآخر»، بل يدفع «الآخر» بينهم إلى الاحتماء بالخارج. وأمام انفلات الغرائز لا يسود اليوم فى المنطقة العربيّة سوى الإحباط والخنوع أمام الغطرسة أو الإلهاء بازدهار افتراضى أو حقيقى يمسّ فئةً دون فئات أخرى.. بينما غزّة تُذبَح والبلدان العربيّة تستباح. 

 

سمير العيطة رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية ــ ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب
التعليقات