المسودة الرابعة للدستور التونسى - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 12:12 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

المسودة الرابعة للدستور التونسى

نشر فى : الخميس 31 أكتوبر 2013 - 11:50 ص | آخر تحديث : الخميس 31 أكتوبر 2013 - 11:50 ص

يناقش مقال اليوم شكل نظام الحكم فى آخر مسودة للدستور التونسى وهو أقرب ما يكون إلى نظام حكم المجلس الذى يتميز بمحورية دور البرلمان والذى عرفته دول أبرزها فرنسا قبل عام 1958. ويلاحظ هنا أن العلاقة بين السلطات كانت من أكثر المسائل الخلافية عند وضع المسودة الأولى للدستور التونسى، إلى حد أن معظم الفصول التى لامست تلك العلاقة وضعت عدة صيغ للمفاضلة بينها فى المسودات اللاحقة، حتى إذا وصلنا إلى المسودة الرابعة أصبح البرلمان هو مركز الثقل، وثمة مؤشرات عديدة على ذلك.

المؤشر الأول هو تحجيم صلاحيات رئيس الجمهورية مقابل صلاحيات رئيس الوزراء الذى يفترض أن يكون رئيس الحزب أو التكتل الحزبى الحائز على الأغلبية داخل البرلمان. فعلى حين يتولى رئيس الحكومة «ضبط» السياسة العامة للدولة إجمالا كما فى نص الفصل 90 فإن رئيس الجمهورية يرسم السياسات العامة حصرا فى «مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومى»، أى أن تقسيم الأدوار بين رأسى السلطة التنفيذية سار بشكل مبسط على أن يكون معظم الداخل لرئيس الحكومة ومعظم الخارج لرئيس الدولة. لكن فى ظل هذا الوضع فإن رئيس الجمهورية ليس حرا فى إجراء التعيينات فى الوظائف العليا العسكرية والدبلوماسية المتعلقة بالأمن القومى، إذ يلزمه لسريان تلك التعيينات عدم اعتراض لجنة منبثقة عن البرلمان تختص بهذا الشأن. وإذا كان من الجيد تقييد حق رئيس الجمهورية فى الأخذ بتدابير استثنائية فى حالة الخطر الداهم باشتراط أخذه موافقة رئيس الحكومة ومجلس النواب ولمدة 30 يوما فقط، إلا أنه بعد انقضاء هذه المدة وخروج الأمر تماما من يد رئيس الجمهورية يمكن لرئيس مجلس النواب تجديد تلك التدابير الاستثنائية بعد موافقة المحكمة الدستورية لأجل غير محدود وفق نص الفصل 79. أما فيما يخص الصلاحيات الأخرى لرئيس الجمهورية فإن له على سبيل «الاستثناء» عند الاعتراض على مشروع قانون أقره مجلس النواب فى مجالات محددة أن يلجأ للشعب عبر الاستفتاء، وهذا إجراء أكثر تعقيدا بالطبع مما لو كان قد سمح له برد مشروع القانون لمجلس النواب. وهو لا يملك المبادرة باقتراح مشروعات القوانين بعكس رئيس الحكومة، وله أن يحل مجلس النواب فى حالة عدم نيل الحكومة ثقة المجلس للمرة الثالثة، وهذا نص له شبيه فى دستور مصر عام 2012.

•••

المؤشر الثانى هو تدخل السلطة التشريعية فى عمل السلطة القضائية، إذ يكفى للتدليل على ذلك التوقف أمام تشكيل المحكمة الدستورية، فهذا التشكيل بالغ التعقيد يقحم مجلس النواب فى تفاصيل الشأن القضائى. يذكر أن نص الفصل 115 يقضى بأن تتكون المحكمة الدستورية من 12 عضوا يكون ثلثاهم من المختصين فى القانون، على أن يقترح كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب والمجلس الأعلى للقضاء 6 من المرشحين يكون ثلثاهم من المختصين فى القانون ليتولى مجلس النواب بعد ذلك فحص تلك الترشيحات وانتخاب 12 اسما من بينها بما لا يتجاوز نصف الأسماء المرشحة من كل جهة، ويتم التصويت على الاختيار بأغلبية 3/5 الأعضاء، فإن لم تتوافر تلك الأغلبية يتم الاختيار من المرشحين الآخرين. وكما هو واضح من هذا التشكيل فإن الجهة المختصة أى المجلس الأعلى للقضاء تصبح مجرد طرف واحد من أربعة أطراف تتولى الترشيح، ومع أن هذا الأمر يقحم أيضا السلطة التنفيذية فى عمل السلطة القضائية إلا أن مجلس النواب هو صاحب الكلمة الفصل فى تحديد عضوية المحكمة الدستورية.

•••

المؤشر الثالث هو مسئولية مجلس النواب عن انتخاب ذلك العدد الكبير من الهيئات التى ينشئها الباب الثالث تحت مسمى الهيئات الدستورية المستقلة. وتلك الهيئات هى هيئة الانتخابات، وهيئة الإعلام، وهيئة حقوق الإنسان، وهيئة التنمية المستدامة، وهيئة الحكومة الرشيدة ومكافحة الفساد. هذا علما بأن الباب المشار إليه يجمع فى مصدر واحد، أى مجلس النواب، بين سلطة الإنشاء وسلطة المحاسبة لأن تلك المؤسسات جميعا مسئولة أمامه وترفع إليه تقريرا سنويا، تلك واحدة. والأخرى أن الباب لم يحدد طبيعة العلاقة بين تلك الهيئات وبين الوزارات التنفيذية ذات الصلة كوزارة حقوق الإنسان أو البيئة مثلا، ومعلوم أن الحكومة مسئولة فرديا وجماعيا أمام مجلس النواب.

مثل هذا التضخم فى دور مجلس النواب والحكومة المنبثقة عنه يعد من أهم الانتقادات التى توجهها المعارضة التونسية لمسودة الدستور الرابعة، فهى لا تريد تثبيت وضع الرئيس الرمزى الذى يمثله حاليا الرئيس المرزوقى. هذا علاوة على أنه فى ظل ما أشار إليه مقال الأسبوع الماضى من التقارب فى شعبية حزب النهضة وحزب نداء تونس، فإنه من المتوقع ألا يتمكن أى من الحزبين من تشكيل الحكومة منفردا مما سيضطرهما معا للدخول فى ائتلاف حكومى رغم التعارض الشديد فى توجهاتهما، وهذا قد يتسبب فى شلل حكومى وارتباك تشريعى. تبقى الإشارة إلى عدة ملاحظات أخرى تبديها المعارضة من المهم التعرف عليها لاتصالها بالجدل الدستورى الدائر فى مصر.

الملاحظة الأولى تختص بمسألة التحصين سواء لوضع رئيس الجمهورية أو لوضع نواب المجلس، إذ تتحفظ المعارضة على النص على أن شاغل هذين المنصبين لا يجوز مساءلته عن الأعمال المرتبطة بمهامه وترى أن كلمة مهام أو أعمال صعبة التعريف. الملاحظة الثانية عن القضاء العسكرى الذى أشار له الفصل 107 بنص مبهم هو «المحاكم العسكرية محاكم متخصصة فى الجرائم العسكرية»، أما تعريف الجريمة العسكرية فيحدده القانون. والملاحظة الثالثة عن الأحكام الانتقالية التى تماطل فى تنفيذ الدستور بعد التصديق عليه، فالفصل 146 لا يدخل الدستور حيز النفاذ فورا لكن يؤجل ذلك إلى اليوم الأول من الشهر التالى على تصديقه، كما أنه يؤجل قيام المحكمة الدستورية بالرقابة على دستورية القوانين لمدة ثلاث سنوات بعد تشكيلها وهذا معناه أن بعض القوانين قد تكون غير دستورية لكن يستمر العمل بها لمدة ثلاث سنوات، وهذا نص يثير الشكوك.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات