تابعت مثل الكثير من الناس مقابلات الرئيس ترامب منذ وصوله إلى البيت الأبيض، ومثلى مثل غيرى أيضًا اهتممت بلقاء الصحفيين الذى عقده فى نهاية زيارة كل من رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو والرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلينسكى، وفى المرتين كان اللقاء بالمكتب البيضاوى الشهير حيث ظهرت المدفأة الرخامية فى الخلفية. وقد أطلقتُ على مثل هذه الحوارات مازحةً «أحاديث المدفأة» على غرار البرنامج الإذاعى الشهير الذى حرص على تقديمه الرئيس الأمريكى الراحل فرانكلين روزفلت بعد أيام من توليه سدة الحكم فى الرابع من مارس عام 1933.
أراد هذا الأخير أن يشرح للشعب بشكل مباشر ما أسماه بالصفقة الجديدة وهى حزمة الإجراءات والبرامج الاقتصادية التى قرر اتخاذها لإنقاذ البلاد من أزمة الكساد الكبير وارتفاع معدلات البطالة، قام ببناء التحالفات ونجح فى إعادة الثقة بالبنوك بعد أن هرع المواطنون إلى سحب أموالهم خوفًا من ضياع مدخراتهم بسبب الفساد والمضاربات، حاول روزفلت تهدئتهم، قائلًا: «الشىء الوحيد الذى يجب أن نخشاه الآن هو الخوف نفسه»، إذ كان قاب قوسين أو أدنى من انهيار النظام المصرفى، وكان الراديو هو إحدى أدواته لإنقاذ الموقف وإقناع الجماهير، واستمر فى هذا التقليد بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية.
•••
الفرق شاسع بين روزفلت وترامب الذى يفضل التغريد على موقع تويتر (إكس حاليًا) ولا يثق بالميديا التقليدية، لكن صورة المدفأة هى ما جعلنى أقارب بينهما، لأن فى الحالتين الأمر يتعلق بالاتصال السياسى كوسيلة لنقل الرسائل المطلوب إيصالها بفعالية ولحشد الرأى العام. لاحظت اختفاء نبات اللبلاب السويدى الذى كان يوجد عادةً فوق المدفأة، وقد ظل يزين هذا المكان طوال خمسين عامًا منذ سبعينيات القرن الماضى، تحديدًا منذ عهد الرئيس فورد، وصار ضمن تقاليد البيت الأبيض إهداء قطع أو عُقل منه لموظفى القصر الرئاسى قبيل مغادرتهم الخدمة على سبيل التذكار والتكريم.
دفعنى الفضول إلى البحث قليلا عن أسباب هذا الاختفاء، فوجدت «الواشنطن بوست» قد سبقتنى إلى حل اللغز، وتبين بعد تحقيقات مطولة أنه قد وُضِع مع نباتات أخرى من النوع نفسه داخل مشتل مغطى بحدائق البيت الأبيض، لأن ترامب أراد أن يستبدله بمجموعة من النياشين والكئوس، وهى ليست جوائز حازها فى لعبة الجولف كما تدعى بعض المواقع، لكنها ضمن مقتنيات البيت الأبيض وتم إخراجها من المخازن بناء على رغبة الرئيس الجديد الذى يختار ما يناسب توجهاته ويضيف لمساته الخاصة على المكتب العتيق، كما جرت العادة.
عبرت الجريدة عن تقلب الأحوال الداخلية و«اختفاء اللبلاب» باستعارة بلاغية: «توارى بشكل مؤقت، لكنه يترعرع تحت أعين حراسه، هؤلاء موجودون بطول البلاد وعرضها، وما دام هناك من هم حريصون على سقيه فلن يموت، فقط يحتاج إلى قليل من ضوء النهار». وبما أننا بصدد تحليل الرمزيات، رحت أبحث عن تغييرات أخرى فى الديكور يكون لها مدلولاتها فيما يتعلق بملامح المرحلة المقبلة. قرأت أنه تمت إضافة تمثال من البرونز لتشرشل، السياسى البريطانى الداهية الذى ساهم فى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، وآخر لبرونكو باستر الذى يمثل شخصية رعاة البقر وهى تقاتل من أجل البقاء على متن حصان، وثالث لأندرو جاكسون، الرئيس السابع للولايات المتحدة الأمريكية، الذى حقق فوزًا فى الانتخابات فى غمار موجة شعبوية مناهضة للمؤسسة. هذه بعض الرموز التى تحيط بمكتب الرئيس ولم تظهر خلال البث التليفزيونى، فالصور ركزت فى كل مرة على ترامب وضيفه ومن خلفهما المدفأة.
• • •
نتنياهو كان أول الزائرين الأجانب الذين استقبلهم ترامب بعد تنصيبه فى عشرين يناير الماضى. وصل رئيس الوزراء الإسرائيلى إلى واشنطن فى الثانى من فبراير، عقد محادثات فى اليوم التالى مع المبعوث الأمريكى للشرق الأوسط، ثم التقى الرئيس حاملًا معه هدية من الذهب، عبارة عن جهاز لاسلكى صغير على شاكلة أجهزة "البيجر" التى انفجرت فى أعضاء حزب الله، وذلك للاحتفاء بتفوق دولته التكنولوجى وانتصارها على الأعداء. جلسا فى نهاية الزيارة إلى جانب المدفأة، أمام الكاميرات، ناقلين إلى العالم تصورهما لمستقبل غزة من دون أهلها، فهؤلاء يجب أن يتم تهجيرهم إلى مكان «آمن»، وعلى المدى الطويل تتسلم الولايات المتحدة القطاع لتحويله إلى شىء جميل، إلى ريفييرا يأتى إليها الأجانب من كل حدب وصوب.
حديث المدفأة هذا المساء كان لا يصدقه عقل.. لغة الجسد ومصافحتهما وحوارهما الهادئ على ضوء النار، كلها عناصر تركت انطباعا بالحميمية والألفة، وظهر ذلك من خلال الصورة، فنحن أمام صديقين وحليفين اجتمعا فى جو مناسب للتفاهمات وتبادل الابتسامات، بينما يموت آلاف البشر ويقتلون بدم بارد. هما بصدد عقد صفقة جديدة، والطبخة تنضج على نار هادئة، فى أجواء تنذر بأن العالم على شفا حرب شاملة. وهو التحذير الذى أطلقه ترامب خلال حديث مدفأة آخر بتاريخ 28 فبراير، سيُحفظ هو الآخر فى سجلات البيت الأبيض إلى الأبد، حين هدد زيلينسكى، قائلًا: «أنت تلعب بحياة ملايين البشر وتغامر بحرب عالمية ثالثة!» الحديث هذه المرة كان يشبه وابلًا من الرصاص البارد الذى لا يصيب أحدًا لكنه مزعج. نار المدفأة لم تكن مشتعلة. الصورة خلت من هذا الضوء البرتقالى المتأجج، لكن فى اللقاءين كان الكلام على عينك يا تاجر، كما يقولون.
هذا المثل الذى يرجع لعصر المماليك ينطبق حرفيا على ما يجرى، إذ يُضرب للتعبير عن عدم إخلاص النية وارتكاب الإساءة علانية دون خوف أو وجل، فنحن أمام سرقة وقتل جهارًا نهارًا دون أى رادع أو استحياء، وهو جزء من بيت شعر ينسب للكاتب والمؤرخ ابن الوردى (1292-1349) الذى لم تخلُ قصائده من النقد الاجتماعى، إذ أنشد: «وتاجر شاهدت عشاقه، والحرب فيما بينهم ثائر. قال علام اقتتلوا هكذا، قلت على عينيك يا تاجر». والتاجر هذه المرة يجلس فى المكتب البيضاوى لولاية ثانية، عاد وعاد معه الزر الأحمر الشهير، الموجود فى صندوق خشبى، والذى حير العالم طويلًا.. ظن البعض أنه لإطلاق الأسلحة النووية فى أى لحظة، لكن اتضح أخيرًا أنه لاستدعاء كبير الخدم ليحضر فورًا كوب من «الدايت كوك» البارد، مشروب ترامب المفضل.