لو يعلم الذين ينتسبون لتيارات الإسلام السياسى حجم الإساءة التى يسيئونها للدين بتطويعه لقواعد اللعبة السياسية بما هى تتضمن المناورة والتنازلات المبدئية أحيانا والمزايدة أحيانا أخرى، لتريثوا وما استبدلوا الذى هو أدنى بالذى هو خير. فكثير من المواطنين العاديين جدا الذين لا تعجبهم الممارسات السياسية للتيارات الدينية، يبعدون تدريجيا عن دينهم وهم يظنون خطأ بكل أسف أنهم بذلك يتمردون على سلطة المنتسبين لتلك التيارات الدينية، وهذا خطير لأنه يخلط بين عقائد الدين وعباداته من جهة وبين ممارسات بشرية تتمسح فى الدين من جهة أخرى.
•••
نهى فتاة فى الثالثة والعشرين من عمرها تختلف ملامحها عن ملامح السواد الأعظم من أبناء هذا الشعب بفعل عِرق تركى دخل على العائلة فلون عيون بعض أبنائها وصبغ شعورهم بلون الذهب. عندما بلغت نهى الرابعة عشرة من عمرها اتخذت قرارا مفاجئا بارتداء الحجاب، تأسيا بأمها ربما، استجابة لتأثير دائرة الصديقات وأكثرهن محجبات ربما، وربما أيضا بواعز من قناعتها الذاتية وإرادتها المستقلة. أما الأم نفسها فإنها كانت تفضل لو أجلت نهى قرار الحجاب حتى تتزوج شأنها فى ذلك شأن العديد من الأمهات المصريات، لكنها كعادتها لا تتدخل فى قرارات ابنتها وتتركها تفعل ما تشاء. بدأت الفتاة الصغيرة علاقتها مع الحجاب بربطة الرأس التى يشاع وصفها بالإسبانية حتى تسمح للأقراط الصغيرة الملونة التى تعشقها بأن تزين أذنيها بين الحين والآخر، ثم تخلت عن تلك الربطة إلى إيشارب قصير يغطى الرأس والعنق ويختلف باختلاف ألوان ثيابها فما تخلت عن أناقتها قط، ثم بالتدريج بدأ الإيشارب ينسدل ويطول وهذا استدعى تغييرا فى نمط الثياب والتحول من التى شيرت والبنطلون إلى المانتو. الآن وبعد تسع سنوات كاملة وفى خطوة لا تقل مفاجأتها عن خطوة ارتداء الحجاب، قررت نهى أن تخلع حجابها. كل من سبقتها إلى اتخاذ هذه الخطوة تعرف تكلفتها الاجتماعية، وتدرك أن سياط النقد سوف تنهال عليها فى مجتمع يمشى على قاعدة « البس اللى يعجب الناس»، لكنها فعلتها. وفى اليوم التالى على أحداث الاتحادية بدت نهى ولأول مرة فى هيئتها الجديدة، الأرجح أن هذا العنف الدموى الذى استخدم بحق شباب فى مثل عُمرها لم يُسلبوا فقط حقهم فى الاعتصام السلمى لكن سُلبوا حتى أملهم فى فى نيل الشهادة، الأرجح أن تلك الأحداث عجلت بقرار نهى لكن بالتأكيد فإنها لم تكن السبب الأول والوحيد. نستطيع أن نفهم سياق القرار ومبرراته مع شخصية مثل نهى.
•••
مصطفى طالب فى الصف الثانى الإعدادى بإحدى مدارس اللغات، يتبادل مع زميلين له الترتيب الأول على الفصل، ولا تخلو شهادته المدرسية من علامة نجمة فى خانة الآداب والسلوك. قبل بضعة أيام من استفتاء المرحلة الأولى على الدستور، فاجأهم أستاذ اللغة العربية والدين بسؤال: مَن من آبائكم سيصوت بنعم؟. وأردف قائلا كما لو كان يمزح: من سيصوت أهله على الدستور بنعم سيحصل على الدرجة النهائية فى أعمال السنة! يا ألله إلى هذا الحد يجرى تسييس التعليم باسم الدين، ويُرهب الأهل بسلاح مستقبل فلذات أكبادهم؟ ارتفعت أيادى الطلاب للإجابة على سؤال الأستاذ، صدقا أو خوفا أو عدم فهم، لكن بقيت أياد قليلة تستند إلى الديسك الخشبى كانت منها يد مصطفى، وهكذا وصلت الرسالة إلى الأستاذ. الكارثة أننا حتى لو افترضنا حسن النية فى واقعة هذا الأستاذ مع طلابه وسلمنا بأنه كان يمزح فإن السؤال الذى يطرح نفسه هو: أى درس يعلمه الأستاذ لطلابه فيما يخص احترام الإرادة الشعبية التى يزايد بها الإسلام السياسى وهو يعد برشوة علمية لمن ينحازون لاختيار واحد ووحيد؟
•••
عادل صيدلى شاب نشأ فى أسرة محافظة لم يكن له قبل الثورة أى نشاط سياسى، جهده منصب على عمله ورعاية والدته الأرملة التى يقيم معها. بعد الثورة أدمن الاهتمام بالسياسة، وانتقل من قراءة التحليلات السياسية فى النسخ الإلكترونية من صحف الصباح، إلى المشاركة فى الفاعليات السياسية من ندوات ومظاهرات، إلى عضوية أحد الأحزاب السياسية الكبرى حاليا فى مصر. فى مناقشة معه حول مشروع الدستور تطرق الحديث إلى لجوء تيارات الإسلام السياسى إلى تكفير المعارضين من فوق منابر المساجد، فعلق عادل بالقول: إنهم يباعدون بين المرء ودينه. قال دينه ولم يقل فهمهم المغلوط للدين، والفارق كبير.
•••
نهى ومصطفى وعادل شخصيات حقيقية لها أشباه ونظائر بالتأكيد، هى ليست مثل تلك الشخصيات الوهمية التى تنوه عنها تترات الأعمال الدرامية معتذرة عن أى تشابه بينها وبين شخصيات أخرى حقيقية. وما لم تستوعب تيارات الإسلام السياسى خطورة هذه الظاهرة وتعالج أسبابها، فسوف تكسب سياسيا على المدى القصير أما على المدى الطويل فإن الخاسر الأكبر سيكون الدين نفسه.