الرئيس مرسى ومعضلة الحزب - الجماعة - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:12 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

الرئيس مرسى ومعضلة الحزب - الجماعة

نشر فى : الخميس 28 يونيو 2012 - 8:30 ص | آخر تحديث : الخميس 28 يونيو 2012 - 8:30 ص

أهنئ الدكتور محمد مرسى الذى أثبت التنظيم الذى ينتمى إليه أنه قادر على أن يصعد به إلى سدة الحكم حتى وإن بدا هذا الاحتمال خارج توقعات الكثيرين قبل ذلك. منذ شهرين لا أكثر، وعندما تم استبعاد المرشح الأصلى لجماعة الإخوان المسلمين المهندس خيرت الشاطر من سباق الرئاسة، كان من المعتاد أن تسمع من المتخصصين فى السياسة ونجوم الفضائيات أن حظوظ محمد مرسى ضعيفة فى انتزاع لقب الرئيس. وكانت حجتهم أن خيرت الشاطر نفسه وهو رجل الجماعة القوى موضع خلاف كبير بين الإخوان، وموضع رفض من منسوبين للتيار الإسلامى من غير الإخوان، فكيف والحال هكذا يمكن الرهان على مرسى؟. وعندما نبتت فكرة إجراء مناظرة رئاسية بين المتنافسين فى الجولة الأولى، لم يكن اسم محمد مرسى مطروحا للمشاركة فيها فقد كان الظن أنه خارج السباق.

 

 

ومن هنا فإن الإنجاز الذى حققه التنظيم بالغ الأهمية، ليس لأنه جعل مرسى يحسم الجولة الثانية لصالحه فهذا هو الفوز السهل رغم الفارق البسيط فى الأصوات بينه وبين منافسه الفريق أحمد شفيق، وأزعم أن أى مرشح آخر بخلاف شفيق لو أنه ترشح أمام مرسى فى الجولة الثانية لكان تجاوز نسبة الـ51.7% التى حصل عليها مرسى بارتياح. لكن الإنجاز الفعلى هو ذلك الذى تحقق فى الجولة الأولى عندما سند التنظيم مرسى فى مواجهة منافسين أشداء، أحدهم وهو حمدين صباحى يتبنى مشروعا اجتماعيا سبق اختباره بنجاح، والآخر وهو الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح خرج من رحم الجماعة ولحق به لفيف من شبابها وجمع حوله منتمين لتيارات سياسية مختلفة فيها يمين ويسار، وثالث وهو عمرو موسى أحد عتاة رجالات الدولة واسع الصلات إقليميا ودوليا. فى مواجهة كل هؤلاء وقفت الجماعة داعمة لمرشحها، تفرغ مجلس الشعب ذى الأغلبية الإخوانية النسبية عشرة أيام كاملة للمشاركة فى حملته الانتخابية، وحُسِبت إنجازات المجلس للمرشح الرئاسى الإخوانى، وبدأت حملة طرق الأبواب على أوسع نطاق.

 

●●●

 

أما وقد أوصلت الجماعة مرشحها لمقعد الرئيس فقد حصحص الحق كما يقول أهل اللغة العربية. سمعنا كلاما صريحا عن استقالة محمد مرسى من رئاسة حزب الحرية والعدالة ليكون رئيسا لكل المصريين، وهذا إجراء مطلوب فقد كان من أبرز مطاعن حسنى مبارك جمعه بين رئاسة الحزب ورئاسة الدولة. أما الكلام الملتبس فكان من نصيب علاقة محمد مرسى بجماعة الإخوان المسلمين، سمعنا أنه لم يعد له وجود بين مراكزها القيادية، وزاد البعض أنه انفصل عنها تنظيميا، والمطلوب هو أن يكون هذا الانفصال فعليا وليس على شاكلة الانفصال بين الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة شكليا فيما الكل يعرف أن الحزب هو الجماعة والجماعة هى الحزب. قبل أن يصير مرسى رئيس مصر، كنا نبتلع مكرهين أن يُعلن عن ترشحه من مقر الإخوان المسلمين أو أن يقوم بجولاته الانتخابية فى بعض المحافظات مصحوبا بنائب المرشد المهندس خيرت الشاطر، أو أن تُؤلف له أغنية فى انتخابات يفترض أنها لرئيس مصر تنوه بانتمائه للجماعة وبرمز المصحف والسيفين، أو أن يعود للجماعة فى التفاهمات السياسية مع القوى المختلفة فى الجولة الثانية قبل أن يقطع أى تعهد على نفسه. الآن لم يعد هذا مقبولا على أى وجه. فعلاوة على أن المصير القانونى للجماعة ينتظر الفصل فيه قضائيا بعد شهرين فإنها تشتبك مع العديد من الفصائل السياسية وبالتالى فإن الانتماء لها يجعل من الصعب الحياد، كما أن الجماعة بحكم طابعها العقائدى وامتدادتها الخارجية من شأنها أن تجعل قرارات السياسة الخارجية المصرية لا تنبع من الداخل فيما لو ظلت العلاقة المراوغة بين الرئيس وبين الجماعة.

 

بطبيعة الحال السؤال الصعب الذى يواجه أى محلل لهذه المسألة الحساسة المتمثلة فى علاقة محمد مرسى بالإخوان هو كيف يمكن أن يقطع مرسى مع تنظيم قضى فيه جُل عمره ناهيك عن أن يكون التنظيم عقائديا ؟. والإجابة ليست عند أى أحد بخلاف دكتور محمد مرسى نفسه الذى يٌفترض أنه قَبل التحدى فى اللحظة التى تقدم فيها بأوراق ترشحه للجنة الانتخابات الرئاسية على أمل أن يكون فى يوم ما رئيسا لجمهورية مصر العربية. إن ثنائية الجماعة / الحزب التى كانت مسؤولة جزئيا عن الارتباك الحاصل فى الجزء الأول من المرحلة الانتقالية، ما زالت تواصل إرباكاتها بعد أن صار مرسى رئيسا للجمهورية ودليل هذا الارتباك المبكر هو تضارب تصريحات منسوبين للحزب والجماعة أو أحدهما عن الجهة التى سيحلف أمامها الرئيس اليمين الدستورى فيما يبدو مرسى مغلوبا على أمره ينتظر حسم القرار بعد تفاهمات سياسية هو ليس طرفا فيها.

 

●●●

 

لو عدنا إلى التجارب العربية التى تعرف امتدادات لجماعة الإخوان المسلمين فسوف نجد أن التطور الطبيعى للجماعة أفضى إلى اندماجها فى حزب سياسى وهذا ما حدث مع التجمع اليمنى للإصلاح، وحركة مجتمع السلم فى الجزائر، والحزب الإسلامى فى العراق، أما الحالة التى استمرت فيها ظاهرة ازدواجية الحزب / الجماعة فإنها الحالة الأردنية. تم إشهار جماعة الإخوان المسلمين فى الأردن كجمعية أهلية فى 1945 ولم تندمج فى حزب جبهة العمل الإسلامى الذى تشكل فى 1992 معبرا عن أفكار جماعة الإخوان المسلمين نفسها، بل كان من اشتراطات تكوين الحزب ألا يكون بديلا عن الجماعة وأن يختار مجلس شورى الجماعة الأمين العام للحزب. مثل هذه الازدواجية أنتجت إرباكات سياسية نتيجة ما كان يحدث أحيانا من عدم تطابق بين موقف الحزب وموقف الجماعة إزاء بعض القضايا، واضطرار الحزب بالتبعية إلى تعديل موقفه ليتلاءم مع موقف الجماعة. حدث هذا مثلا فى عام 1997 عندما تأهب الحزب للانتخابات التشريعية واختار مرشحيه فى المحافظات الأردنية المختلفة، لكن جماعة الإخوان كان لها رأى آخر وقررت المقاطعة احتجاجا منها على قانون الانتخابات المعروف باسم قانون الصوت الواحد. أحرج هذا الموقف الحزب لأنه اضطر إلى أن يحذو حذو الجماعة ويصدر بيانا يعلن فيه المقاطعة، وعلى أثر ذلك استقال عدد من أعضائه منهم أربعة من داخل المكتب التنفيذى.

 

لكن رغم الدلالة الواضحة للنموذج الأردنى السابق وما يمكن أن يتسبب فيه من ارتباك سياسى بسبب استمرار الجماعة مع وجود الحزب، إلا أن هذا الارتباك يظل خطره الأساسى على تماسك الحزب نفسه ومدى قدرته على ممارسة دوره على الساحة السياسية. أما فى مصر فإن الأمر أخطر بما لا يقاس لأن هذه الازدواجية تترافق مع صعود كادر إخوانى وفى الوقت نفسه رئيس سابق لحزب الجماعة إلى سدة الحكم. بينما يمثل العاهل الأردنى عنصر توازن بين مختلف القوى السياسية، كما يرتضى إخوان الأردن تمثيلا نيابيا يتراوح بين 20 و30% من المقاعد وتمثيلا وزاريا بلغت ذروته فى 1991 بشغل منصب نائب رئيس الوزراء والحصول على خمس حقائب وزارية.

 

●●●

 

العلاقة الملتبسة بين رئيس مصر الجديد والجماعة وبين الجماعة والحزب هى المنبع الحقيقى لكل الهواجس التى تم التعبير عنها فى غضون الأيام القليلة الماضية، سواء ما تعلق منها بالخوف من ألا يكون مرسى رئيسا لكل المصريين، أو بالقلق من موقفه من قضايا المواطنة عموما وحقوق المرأة والأقباط خصوصا، أو بالتساؤل عن علاقة مشروعه للنهضة بالدولة المدنية ومنظومة الحريات الشخصية والسياسية. جميع تلك الهواجس فروع لأصل واحد، وبالتالى فإن هذه القضية هى التى يجب أن ينصب عليها النقاش فلا تجرفنا التفاصيل إلى الاهتمام بالأعراض دون التركيز على معالجة الداء.

 

مع أول خطوة يخطوها الرئيس محمد مرسى إلى قصر الرئاسة نتمنى أن تكون مفاصلته عن الجماعة مفاصلة حقيقية لا شكلية، وأن يرسى قواعد مؤسسية فى إدارة الحكم فى الجزء الثانى من المرحلة الانتقالية، وأن يؤكد على سيادة القانون واحترام أحكامه، ومن المهم أيضا أن يأخذ بعين الاعتبار أن قطاعا لا بأس به من الناخبين صوت له فى الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة لأنه ضد أحمد شفيق وليس لأنه مرشح جماعة الإخوان المسلمين.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات