هل يشهد عام 2011 آخر أعياد ثورة يوليو؟ - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:57 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

هل يشهد عام 2011 آخر أعياد ثورة يوليو؟

نشر فى : الخميس 28 يوليه 2011 - 9:00 ص | آخر تحديث : الخميس 28 يوليه 2011 - 9:00 ص
سيظل تقييم ثورة يوليو موضع خلاف بين المؤرخين والمحللين السياسيين حسب زاوية الرؤية التى ينظر منها كل أحد فيهم للثورة، وهى فى ذلك ليست استثناء من القاعدة على أية حال فكل التطورات السياسية ناهيكم عن الثورات تكون حمالة أوجه. وكمثال فإنه قبل بضعة أيام وتحديدا فى 13 يوليو الماضى كتب د. محمد عمارة مقالا فى الأهرام بعنوان «إنه الشيخ سعد زغلول باشا» عدد فيه المناقب الإسلامية لزعيم ثورة 1919 واتهم العلمانيين بتجاهلهم لها عمدا أو جهلا.

وفى المقابل فإن القارئ لأدبيات الإخوان فى تقييمهم للموقف الوطنى وليس فقط الأخلاقى لسعد زغلول سيجد قدحا كثيرا فى الرجل استنادا بالأساس لأمرين اثنين:

مصاهرته لرئيس الوزراء مصطفى فهمى صاحب العلاقة الوثيقة مع الإنجليز من جهة و مذكراته الشخصية التى عرض فيها بصراحة لبعض جوانب حياته الشخصية من جهة أخرى. ومؤدى ذلك أن الاختلاف فى تقييم حركة التاريخ قد يشمل حتى الذين ينضوون تحت المظلة الأيديولوجية نفسها.

ورغم الاعتياد على أن يكون الهجوم على ثورة 1952 أحد طقوس إحياء ذكراها يوم الثالث والعشرين من شهر يوليو، إلا أن الهجوم عليها فى هذا العام شهد اختلافا نوعيا لأسباب مفهومة.

فلقد فرض اندلاع ثورة يناير المقارنة بين إنجازات حركة بدأها الجيش ومستقبل أخرى قام بها الشعب.

***

من الأيام الأولى التى تلت إزاحة مبارك عن الحكم تردد القول إن المطلوب هو إسقاط شرعية نظام يوليو التى لم يكن لها وجود أصلا منذ واحد وأربعين عاما. ثم تطور الأمر إلى المطالبة بأن يحل الاحتفال بثورة يناير محل الاحتفال بثورة يوليو مع أن الأحداث الوطنية لا ينسخ بعضها بعضا وإلا لسقط مبرر الاحتفال بيوم السادس من أكتوبر لأن مصر حققت فيه نصرا لم يكتمل إلا يوم الخامس والعشرين من أبريل وبالتالى فإنه الأولى بالاحتفاء والتذكرة. ومن المفارقة أن كثيرا من الجدل السياسى فى هذه الأيام يدور على أرضية ثورة يوليو نفسها فنجد مثلا أن التصميم على تنقية الحكومة من رجال الأعمال يمد خطا مستقيما مع الهدف الثالث من أهداف يوليو الذى كان ينص على القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم.

أو تجد من يفتش عن قالب دستورى مناسب لما بعد ثورة يناير لا يجد إلا دستور 1954 الذى أطيح به هذا صحيح لكنه يعد من معالم المرحلة التى ترتفع اليوم الأصوات الداعية للقطيعة معها. أو تجد من ينادى بتنشيط دور مصر الخارجى يبنى على رصيد مصر الأفريقى فى زمن عبدالناصر و يغترف من أناشيد كانت تتغنى بالوطن العربى الأكبر. حلقات التاريخ المصرى تتصل شئنا أم أبينا.

***

وعندما اختار حازم أبو اسماعيل أحد مرشحى التيارات الإسلامية للرئاسة أن يسجل موقفه من ثورة يوليو فإنه اختار الطريق الذى سلكه قطاع من المستشرقين وبعض كبار الملاك الذين كانت قوانين الثورة ضد مصالحهم، فماذا قال؟ فى خطبته أمام حشد جماهيرى فى مدينة منيا القمح بمحافظة الشرقية قبل نحو أسبوعين هاجم أبو اسماعيل العدالة الاجتماعية وسياسة الإصلاح الزراعى لثورة يوليو ووصفهما « بالخديعة الكبرى».

وكان دليله أن الثورة التى انتزعت الأرض من الأغنياء لم تملكها للفقراء بل سلمتها لهم بحق انتفاع يتجدد سنويا، ورد ذلك إلى أن الشعب لم يحكم نفسه بل هم الماكرون و الثعالب الذين « ظلوا يراودوننا حتى هدأنا، وبعد ذلك أخذوا كل شئ». طبعا بخلاف أن لكل مقام مقال، وأن الهجوم على الإصلاح الزراعى فى حضور فلاحين كانوا هم من استفادوا بقوانين الإصلاح بامتياز هو أمر لا علاقة له بالحنكة السياسية، فإن خطاب أبو اسماعيل اختزل العدالة الاجتماعية التى هى أبرز مكاسب ثورة يوليو فى الإصلاح الزراعى ونسى بين ما نسى مجانية التعليم و تكافؤ الفرص. وقدم معلومة خاطئة مؤادها أن الفلاح كان ينتفع بالأرض ولا يتملكها، والصحيح أنه كان يتسلم صك الملكية بعد أن يسدد قيمتها من الإيجار السنوى الرمزى الذى يدفعه و قوامه واحد و عشرون جنيها للفدان.

و أوحى بأن نزع الملكية الزائدة عن الحد الأقصى من الأغنياء كان يتم بدون مقابل والواقع أن مقابله كان يسدده الفلاح على النحو المشار إليه.هذا إلى أنه أسقط الدور المهم للتعاونيات فى خدمة الفلاح سواء فى زراعة الأرض أو فى تسويق المحصول. وقع الشيخ الشاب إذن فى فخ عدم التخصص، ومع أن تطبيق قوانين الإصلاح الزراعى له عيوبه التى يقرها حتى من ينتمون سياسيا للتجربة الناصرية، إلا أن الحديث عن هذا التطبيق بوصفه « خديعة كبرى « بعد أطول وأضخم عملية نهب منظم لثروة مصر فى ظل حسنى مبارك وزمرته، يصبح هو نفسه أكبر خديعة.

***

أما جماعة الإخوان فقد اختارت تصفية حسابها مع ثورة يوليو بشكل مختلف لا يخلو من ذكاء. وقعت الجماعة على يوم الثورة ليكون هو يوم احتفالها بتدشين حزب الحرية والعدالة الناطق باسمها. تريد أن تقول لمن لن تصله رسالتها قط لأنه انتقل إلى رحاب الله: ها نحن عائدون. لكن الطريف أن عادل الأنصارى المسئول بالحزب عندما سأله مراسل جريدة القبس الكويتية وفق الخبر المنشور بالجريدة يوم 25 يوليو عن سبب اختيار اليوم، رد قائلا « إن الموعد تم تحديده بمحض الصدفة وجاء بناء على التوقيت المناسب للحضور والميعاد الخالى لحجز الفندق الذى سوف يقام فيه الاحتفال». هكذا؟ ليتهم يحسنون قليلا الظن بذكائنا، فى موسم ضُربت فيه السياحة و رمضان على الأبواب يتم حجز القاعة بفندق جراند حياة بما يتلاءم مع الارتباطات المسبقة للفندق!.

وفوق ذلك فإن إرهاصات صدامات العباسية التى أدمت قلب كل مصرى كانت قد بدأت يوم الخميس وربما كان من المناسب إرجاء الحفل و التحسب ليوم يتواجه فيه المصريون لكن شيئا من هذا لم يحدث، وقصد الحفل الكبير كل من يريد أن يكون له مكان فى الصورة.

***

ليتنا لا نقيم أود ثورة يناير بهدم ثورة يوليو فلكل ثورة أخطاؤها وحسناتها. وعندما أقرأ فى جريدة الوفد يوم الرابع والعشرين من هذا الشهر مقالا لمصطفى عبيد يشكك فيه فى وطنية الضباط الأحرار و يتهمهم بالعمالة و يتساءل هل « 23 يوليو أمريكية أم وطنية؟» يلتبس علَى الأمر فى التو لأن بعض أبناء ثورة يناير هم أيضا فى مرمى الاتهام بالعمالة للخارج، ومعنى هذا أننا عندما نتعامل بموضوعية مع ثورة يوليو يحق لنا أن ندعو إلى تعامل مماثل مع ثورة يناير.
نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات