«مصر شريك وليست وسيطا فى القضية الفلسطينية».
هذه العبارة قالها اللواء محمد إبراهيم الدويرى، وكيل جهاز المخابرات المصرية، السابق فى أولى حلقات برنامج «الجلسة سرية» الذى يقدمه الكاتب الصحفى والإعلامى سمير عمر على شاشة «القاهرة الإخبارية» مساء الجمعة الماضية.
عبارة اللواء الدويرى مهمة لأنها توضح جانبا مهما من طبيعة الموقف المصرى من القضية الفلسطينية.
البعض يعتقد أن مصر وسيط بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو اعتقاد خاطئ حتى لو كان بعض المسئولين المصريين يقولون إننا وسطاء من باب الدبلوماسية.
مصر لم تكن وسيطا أبدا فى القضية الفلسطينية منذ بدأت هذه القضية سواء فى العهد الملكى أو الناصرى أو فترات حكم كل الرؤساء المتعاقبين وصولا إلى الرئيس السيسى، والمؤكد أن ذلك لن يحدث أبدا، لأنه ضد مفهوم الأمن القومى المصرى والعربى.
نظريا مصر وسيط بين الفصائل الفلسطينية وبين إسرائيل، لكنها عمليا ليست كذلك لأنها منحازة بالأساس للموقف الفلسطينى بغض النظر عمن يمثل هذا الموقف.
مصر أيضا لعبت دور الوسيط الفعلى بين الفصائل الفلسطينية منذ زمن طويل، خصوصا منذ نشأة منظمة التحرير الفلسطينية وانطلاق المقاومة المسلحة عام ١٩٦٤، ثم بين حركتى فتح وحماس بعد الانقلاب الشهير لحماس على السلطة الفلسطينية وسيطرتها على قطاع غزة عام ٢٠٠٦.
واستضافت مصر العديد من الاجتماعات منذ عام ٢٠٠٦ وحتى الأيام الماضية سعيا وراء المصالحة، وتم توقيع العديد من التفاهمات والاتفاقات فى القاهرة ومدن مصرية أخرى فى سبيل هذا الهدف الذى نأمل أن يتكلل بالنجاح.
لكن الأمر مختلف تماما حينما يتعلق بإسرائيل فمصر تتعامل باعتبارها تدافع عن حق الفلسطينيين فى الاستقلال والحصول على دولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية على حدود ٤ يونيو ١٩٦٧.
يعلم الإسرائيليون قبل غيرهم أن مصر لم تكن ولن تكون وسيطا بينها وبين الفلسطينيين، إلا من زاوية تقديم النصائح والأفكار والتدخل حتى يحصل الفلسطينيون على حقوقهم.
ومن يتابع الإعلام الإسرائيلى سوف يدرك إلى حد كبير حقيقة الموقف المصرى من القضية الفلسطينية.
وبالمناسبة هذا الموقف ليس فقط راجعا إلى الدور المحورى للقضية الفلسطينية فى الأمن القومى العربى أو أن هذه القضية هى قضية العرب الأولى والمركزية ولكن وهذا هو المهم فإن القضية الفلسطينية محور مهم وأساسى للأمن الوطنى المصرى، بمعنى أننا ندافع عن حق الشعب الفلسطينى فى إقامة دولته المستقلة على أرضه لأن ذلك مهم جدا للأمن الوطنى المصرى، إضافة بالطبع للأهمية القصوى للأمن القومى العربى.
من يقرأ التاريخ جيدا سوف يدرك أن وجود أى دولة عدو على حدود مصر الشرقية خطر داهم على الأمن الوطنى المصرى.
بالطبع وجود أى عدو فى أى أرض مجاورة لمصر خطر علينا، لكن الحدود الشرقية تمثل الخطر الوجودى بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وهنا نتذكر المقولة الشهيرة بأن «صراعنا مع إسرائيل هو صراع وجود وليس صراع حدود».
هذه مقولة ليست بلاغية أو عاطفية بل عملية جدا. على سبيل المثال قد نختلف مع سياسات لأنظمة فى السودان أو ليبيا أو حتى فى غزة، لكنها تظل صراعات وقتية محددة، لكن الأمر مختلف تماما مع الصراع مع إسرائيل، حتى لو كانت هناك اتفاقية سلام معها منذ عام ١٩٧٩.
إسرائيل عدو من نوع مختلف تماما، لأنها مستعمر ومحتل فريد، لا يشبه الاستعمار الأوروبى الذى كان يبحث عن الثروات وطرق التجارة فى العالم الثالث، بل هى كيان استحلالى استيطانى يستند إلى أوهام توراتية منذ آلاف السنين والأخطر أن هذه الأوهام، مدعومة من أقوى دول فى الغرب الاستعمارى خصوصا الولايات المتحدة الأمريكية.
وجود هذا العدو على حدودنا الشرقية خطر داهم علينا فى مصر وعلى المنطقة بأكملها. ناهيك عن أنه خطر مؤكد ومحدق بالأشقاء فى فلسطين منذ عام ١٩٤٨ وربما ما قبل هذا التاريخ.
مصر ليست وسيطا ولن تكون إلا بالقدر الذى يمكن أن يسهّل وقف عمليات الإبادة والتهويد والتدمير والتهجير بحق الشعب الفلسطينى. ولولا هذا الموقف المصرى القومى منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ وحتى الآن لكانت إسرائيل قد تمكنت من تصفية القضية الفلسطينية بالكامل وهجرت الفلسطينيين أو قتلت العدد الأكبر منهم.
هذه حقائق مصرية ثابتة ويصعب إلى حد كبير أن تتغير.