كلف رئيس الوزراء الإسرائيلى نتنياهو فى أغسطس 2024 العقيد يعقوب ناجل بتشكيل لجنة تهدف لوضع خطط لجيش الدفاع الإسرائيلى للعشر سنوات القادمة، تتضمن جميع ما يتعلق بالجيش لتأمين الدولة العبرية، سواء من حيث التسليح أو التصنيع العسكرى، أو التنظيم الهيكلى، والعقيدة القتالية، ونظم التجنيد، ووضع الميزانيات اللازمة لذلك، فى ضوء المخاطر والتهديدات التى تواجه إسرائيل حاليًا وما يتوقع أن تواجهه من الآن وطيلة هذه السنوات القادمة، وقد اقتصر عملها على الجيش فقط، ولم تتطرق للأجهزة الأمنية الأخرى وهى الموساد والشاباك.
قدمت اللجنة، المشكلة من اثنى عشر شخصًا من كبار القادة العسكريين السابقين والخبراء الأمنيين، تقريرها لكل من رئيس الوزراء ووزير الدفاع فى 6 يناير 2025، ويقع هذا التقرير المنشور فى 138 صفحة، منها نحو 20 صفحة حظرت السلطات الإسرائيلية نشرها، باعتبارها سرية للغاية.
• • •
وتبدو أهمية هذا التقرير بل وخطورته فيما يلى:-
• بما أنها لجنة رسمية، وقد وضع أمامها كل المعلومات اللازمة من الناحية العسكرية، وقد وضعت آلية كذلك للمتابعة والتحديث الدائم، فقد وضح أن توصياتها يتم تنفيذها على أرض الواقع، ومن ذلك أن التقرير فى صفحة 21 حدد إيران بأنها العدو الرئيسى، واعتبر برنامجها النووى تهديدًا لإسرائيل، وأوصى بإزالته بصفة عاجلة، وبأى طريقة سواء مباشرة أو غير مباشرة، وهو ما نفذه الجيش الإسرائيلى بالفعل، فى الحرب التى شنها على إيران ومفاعلاتها النووية، ومهندسيها وعلمائها العاملين فى هذا البرنامج وقتلهم، ثم الضربات المشتركة التى قامت بها الولايات المتحدة على هذه المفاعلات وذلك فى يونيو 2025، أى بعد نحو ستة أشهر فقط من تسليم التقرير، ولم تكتف إسرائيل بما قامت به، خلال السنوات السابقة، من عمليات تخريبية ضد المنشآت النووية الإيرانية وعلمائها وقادتها العسكريين.
وبالتالى فإن ما فى هذا التقرير من رؤية للمنطقة، وتوصيات للتعامل معها عسكريًا، علينا نتوقع أنه ما سيتم تنفيذه من الآن فصاعدًا.
• يوضح التقرير رؤية إسرائيل لنفسها، وللمحيط الإقليمى حولها، بل وللعالم ودوله الكبرى، وكيفية التعامل معها، وهو ما يظهر لنا كيف تفكر إسرائيل.
• حدد التقرير رؤية إسرائيل للمخاطر والتهديدات التى تواجهها حاليا، والمتوقع أن تواجهها خلال السنوات العشر القادمة، وكيفية التعامل معها. وهو ما يجب أن يؤخذ فى الحسبان من كل دول المنطقة، لوضع السياسات والخطط اللازمة للتعامل معها ومع تداعياتها.
• يتضمن التقرير، معلومات وتقديرات عادة ما تكون سرية للغاية لأى دولة، خاصة إذا تعلقت بهياكل وخطط جيش الدفاع، وأطره التنظيمية، ونظم التسليح، والتجنيد، ونقاط الضعف التى عليه معالجتها أو مصادر قوته، أو نقائص ومشاكل وسلبيات عليه تصحيحها، واقتراحات للتغلب عليها، وهو ما جعل بعض المراقبين، سواء داخل إسرائيل أو خارجها، يتساءلون عن السبب وراء نشره بالكامل وحظر 20 صفحة فقط، وتراوحت التقديرات ما بين أسباب داخلية تتعلق برغبة حكومة نتنياهو فى إقناع الكنيست بالموافقة على ما يحتاجه الجيش من موازنة إضافية فى ضوء التهديدات والمخاطر التى حددها التقرير، أو فى إطار تحذير إدارة ترامب والضغط عليها للاستجابة للاحتياجات الإسرائيلية عسكريا.
لكن فى تقديرى الشخصى فإن الدافع لنشر التقرير يأتى على خلفية ما حققته إسرائيل من نجاحات عسكرية فى حروبها على المنطقة، واستشعارها للقوة والتفوق الإقليمى، مما قد جعلها على ثقة تامة لكى تعلن للمحيط الإقليمى والدولى وتقول بلسانها ها أنذا، وهذه هى التهديدات التى تواجهنى، وهذه هى عقيدتى العسكرية الجديدة للتعامل معها، وليحذر من يهتم بهذه الرسالة، أى أن نشر التقرير هو فى إطار سياسة «الردع» الإسرائيلية، والتى تحدث عنها التقرير فى أكثر من موقع.
• • •
• يحسب للدولة الإسرائيلية ــ دون شبهة إعجاب بل فى إطار الدروس المستفادة من الآخرين، أنها ورغم النجاحات العسكرية التى تحققها، وما تتمتع به من عناصر قوة شاملة للدولة (عسكريًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا)، ووسط ذلك كله، فإنها تخطط للسنوات العشر القادمة، وتنظر دائمًا فى أى سلبيات أو نواقص واحتياجات، وتسعى لعلاجها من خلال هذه اللجنة.
• تأتى أهمية التقرير كذلك من أهمية رئيس اللجنة العقيد يعقوب ناجل، فهو مستشار أمن قومى سابق، ولا يزال فى قوات الاحتياط، كما يرأس (المعهد الإسرائيلى لأبحاث تكنولوجيا الدفاع المتقدمة)، وهو من أهم المعاهد العلمية البحثية الإسرائيلية، وقد طور كثيرًا من التطبيقات العلمية المستخدمة فى أنظمة وأسلحة الدفاع والهجوم، ومن بينها نظم الحرب السيبرانية المتقدمة، وهناك جزء كبير فى التقرير عن أهمية هذه السيادة والتفوق الإقليمى فى هذا المجال.
• يتناول التقرير، بشكل مفصل، رؤية للمخاطر والتهديدات التى تراها قادمة من المنطقة خاصة من إيران ــ وسوريا ولبنان ــ وغزة وباقى الأراضى المحتلة واليمن، بل واحتمالات خاصة بدول أخرى كتركيا، والأهم اقتراح السياسات العسكرية للتعامل معها.
• من أهم ما ورد فى التقرير كذلك، وهو ما سنتناوله لاحقًا بشكل أكثر تفصيلاً، هو التوصية بتغيير العقيدة العسكرية الإسرائيلية، من الدفاع والاحتواء، إلى عقيدة الهجوم والضرابات الاستباقية لأى تهديد تراه إسرائيل، حتى لو كان كامنًا، أو فى مهده وفى مرحلة التطور، واتباع سياسة ومبدأ صفر تسامح.
وهو تطور مهم ولافت، ويفسر ما تقوم به إسرائيل حاليًا تجاه المنطقة، وردود أفعالها على بعض صواريخ أو مسيرات اليمن المبالغ فيه، من حيث حدة القصف واتساعه وكثافته.
• إذا كان التقرير وتوصياته قد أفرد جزءًا كبيرًا لإيران، وكيفية التعامل العسكرى معها، باعتبارها الهدف أو التهديد الرئيسى، وبالرغم من حظر أجزاء كبيرة من الصفحات التى تتناول إيران، وتأكيده على ترجيح نشوب حرب كبرى معها، إلا أن قراءتى لما بين السطور، وللسياق العام للتقرير، خاصة عند تناوله لأمور خاصة بتطوير القوات البرية والجوية، ونوعية الأسلحة الهجومية التى يجب أن تحصل عليها، والتوصيات الخاصة ببعض الجوانب التنظيمية للقوات البرية، يشير بوضوح إلى أن هذه الحرب المتوقعة مع إيران، سيكون هدفها تغيير النظام ككل، بالتعاون مع بعض عناصر الداخل الإيرانى، وعلى طريقة الحرب على العراق، ومن المرجح أن تكون بالتعاون المباشر مع الولايات المتحدة.
• • •
وفيما يلى عرض وتحليل لأهم ما فى هذا التقرير:-
كيف ترى إسرائيل نفسها.
ترى إسرائيل نفسها، على أنها دولة صغيرة نسبيا بعدد سكان لا يتجاوز العشرة ملايين نسمة، وتواجه 22 دولة عربية، و57 دولة مسلمة، وأن إيران التى تعتبرها التهديد الرئيسى حاليًا هى سبع أمثال إسرائيل، وأنها مهما كسبت من حروب فلن تستطيع الحد من الكراهية تجاها. وأنها لو خسرت حربًا واحدة فإن ذلك يعد نهاية للدولة القومية للشعب اليهودى، وأن هذا المبدأ هو الأساس لأى رؤية للأمن الاستراتيجى للدولة.
ويضيف التقرير «يجب أن تفهم إسرائيل أن قدرها أن تستعد للحرب القادمة (دومًا)، وأن تعتمد أساسًا على قوتها، وحتى إذا عايشت فترة طويلة من الهدوء، فإن السيف يجب أن يكون حادًا فى كل الأوقات حتى وهو فى غمده». كما يضيف فى نفس الفصل أن إسرائيل لكى تعوض النقص العددى لسكانها، فعليها دومًا أن تحقق ذلك بتطوير ميزة جودة السكان، وتحقيق السيادة أى التفوق أو علو الشأن ((Superiority فى المجال التكنولوجى.
إذا نحن أمام دولة ترى نفسها لابد وأن تعيش بالسيف وقوة السلاح، ولابد من تحقيق تفوقها وعلوها وعلو سكانها من حيث جودة هؤلاء السكان (تعليمًا وصحة ــ وثقافة)، وأن جهود الدولة يجب أن تنصرف لتحقيق القوة العسكرية، وتقوية أوضاعها الاقتصادية، والسياسية والاجتماعية بالتوازى والتوزان الدقيق، وقد بحثت فى التقرير ككل عن أى توصية تتحدث عن العيش المشترك مع شعوب المنطقة، أو محاولة كسب قلوب وعقول هذه الشعوب المحيطة بها فلم أجد كلمة واحدة.
كما يشير التقرير إلى أنها الدولة اليهودية الوحيدة على مستوى العالم، وليس لديها دولة أخرى شقيقة، ولذلك فعليها دائما الإبحار فى محيط العلاقات الدولية بالاستناد إلى حليف قوى وأن هذا الحليف هو الولايات المتحدة، ولا بديل عنه، وحتى حينما تناول التقرير العلاقات مع القوى الكبرى الأخرى وهى الصين وروسيا، قلل من أهميتها، واعتبر أن علاقاتها بهاتين القوتين يجب أن تكون بمستوى لا يغضب واشنطن، ومن جانب آخر فهى لا تثق فى الحليف الرئيسى كل الثقة فى ضوء تغيرات داخلية أو مصالح وانشغالات دولية محتملة لواشنطن، قد لا تجعل إسرائيل أولوية لديها، ومن هنا أوصت اللجنة بالعمل على توسيع الصناعات العسكرية لتحقيق قدر أكبر من الاستقلالية.
فإذا كانت هذه هى رؤية إسرائيل لنفسها، وللعلاقات مع الحليف الأوحد، فكيف ترى دول المنطقة المحيطة بها؟ وما هى رؤيتها للتهديدات الموجهة لها؟ وكيف ستتعامل معها؟ وما أهم خططها لجيش الدفاع تنظيما، وهيكلة، وتجنيدا، وتسليحا، وما هى عقيدتها العسكرية؟ ونأمل أن نتناول قريبا السياسات المتوقعة.