غرفة ابنتى - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 12:24 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

غرفة ابنتى

نشر فى : الخميس 1 أبريل 2010 - 9:19 ص | آخر تحديث : الخميس 1 أبريل 2010 - 9:19 ص

 شتان بين إحساسى وأنا أسمع البرنامج الإذاعى الذى كان يهدى خلاله الآباء والأمهات فى الستينيات أغانى وأشواقا إلى أحبائهم فى الغربة وكان يحمل عنوان «أبناؤنا فى الخارج»، وإحساسى بعد أن عشت التجربة وصارت لى ابنة فى الخارج. فى الحالة الأولى كنت أنتظر بلهفة ذلك البرنامج الأسبوعى لأسمع بعضا من أعذب أغانى كبار المطربين التى يحتفظ بها أرشيفنا الإذاعى، وفى الحالة الثانية أستغرب هذا الواقع الذى فرض على أن أعيش فى بلد وابنتى فى بلد آخر، فمشاعر الأم لا تتأقلم مع العولمة ولا تخضع لمقتضياتها، لا تفهم كيف بين لحظة وأخرى تتحول علاقتها بابنتها إلى مجرد سلك هوائى يحمل لها صوتها بعد أن ربطها بها حبل سرى على مدار أشهر تسعة كانت تضخ لابنتها عبره قليلا من الطعام وكثيرا جدا من الحب والحنان.

أمُر على باب غرفتها المفتوح وفراشها المرتب على غير العادة فأعدو هربا من غيابها. غريب أمر هذه الدنيا، عندما كانت ابنتى ماتزال فى البيت كانت تختبئ دائما فى غرفتها أو عالمها الصغير الكبير. تفرغ من عملها وألتقيها فى ردهة الشقة لبضع دقائق وأعد لها طعام الغداء ثم تتسلل إلى غرفتها، أسمع ضحكتها المحببة تجلجل بين الحين والحين فأميز أنها تتحدث فى التليفون مع هذه الصديقة أو تلك، أرى النور يتسرب من أسفل باب غرفتها فأعرف أنها تقرأ ميكى أو تفتش على الإنترنت عن فستان مناسب للزفاف، أسمع جلبة وضجيجا فأحدس أنها تفرغ جوف دولابها بحثا عن محمولها المختبئ هنا أو هناك. تضايقنى عزلتها وأثور عليها من وقت لآخر فأقول لها إن البيت ليس فندقا، فإذا هى تجاملنى بحديث مقتضب أو نزهة قصيرة أو هدية صغيرة فأنسى كل شىء ولا أسرع فى نسيان هفوات الأبناء من أم. كنت مطمئنة إلى أنها موجودة خلف هذا الباب، وأننى فى اللحظة التى أحن إليها فيها بوسعى أن أطرق بابها وأفرض نفسى على عالمها الخاص فرضا. أما وقد ذهبت فلم أعد أطيق مرأى الباب مغلقا.. لا أحب أن أغلقه على فراغ بعد أن كانت تملأ أرجاء غرفتها من الجدار إلى الجدار.

تعاودنى ذكرى أيام ما قبل سفرها وأنا أتحرك كالروبوت أو الإنسان الآلى، ألغى مشاعرى لأنجز، فأجهز حاجياتها ،أتمم على أشيائها الصغيرة وما أكثرها، أحزم حقائبها المحشوة حتى تكاد تنفجر، وألتقط معها آخر صورة.. آخر صورة؟ لم لا فاللقا نصيب ولا أحد يدرى ماذا يحمل الغد القريب. أهدئ جيشان المشاعر فى صدرى وأقول إننى لست الوحيدة التى تكابد هذا الموقف، ففى كل أسرة تقريبا ابن مسافر للعمل أو الدراسة بعد أن ضاقت فى مصر سبل العيش وتقطعت أسباب الرزق وحوصرت مظاهر الإبداع، ثم لا ألبث أن أتمرد على هذا المنطق.. منطق أن عمومية الظاهرة تقلل من وقعها، فأن يعانى غيرى غربة أبنائهم فذلك لا يقلل من وقع غربة ابنتى على نفسى.. أبدا لا يقلله. وعندما تكون الغربة فى نصف الكرة الآخر يكون الإحساس بالتواصل فى حده الأدنى، تفقد عبارات تقليدية من نوع صباح الخير والساعة كام؟ وحان وقت الغداء، تفقد كل مدلول لها فصباحنا غير صباحهم وساعتنا لا تدور عقاربها فى اتجاههم وغداؤنا قد يحين وهم لازالوا فى أسرتهم. قال قائل: الحل أن نملأ جدران البيت بساعات مضبوطة على مواقيت أبنائنا فيكونون معنا وهم ليسوا كذلك، هل هو الحل فعلا؟

فى غيابها تغيرت خريطة اهتماماتى السياسية، لم أعد أهتم بأمريكا لأنها القطب الأوحد أو الأعظم لكنى صرت أهتم بها لأن فى قارتها قطعة من نفسى، يضرب هاييتى زلزال مدمر فأتابع جَزِعة مشاهد الأطفال يخرجون من تحت الأنقاض ورأسى مشتعل بعشرات من خطوط الطول والعرض لموقع الحدث على خريطة أمريكا الجنوبية، تبث قناة الجزيرة حديثا بصوت بن لادن يتهدد الولايات المتحدة بضربات متلاحقة فى العمق فينخلع قلبى وأدعو الله باللطف فى قضائه، أحاول أن أتلهى عن مشاعر القلق التى تحاصرنى فتقفز الأم من داخلى متوثبة وأنا أتخيلها تنسى تجفيف شعرها المبتل فلا تجدنى لها بالمرصاد كالعادة، أو تواجهها مشكلة أو أخرى فتخفيها عنى لأن قانون السفر يقضى ألا نتبادل من الأخبار إلا أسعدها، أو تبالغ فى نظامها الغذائى اللعين فأتحايل عليه ببعض الدسم أدسه خفية فى طعامها.. الله أما لهذا القلق من نهاية؟

عندما أفكر فى السبب المباشر الذى أطلق هذه الشحنة العاطفية من قمقمها فى أعماق أعماق نفسى، لا أجد مبررا غير ملابسات الاحتفال بعيد ميلادى. أعد أفراد الأسرة مشكورين تورتة عيد الميلاد، وثبتوا عليها من باب اللياقة أربع شموع فقط ربما أيضا لأن التورتة لم تعد تحتمل عبء كل هذا العمر الطويل، وأطفأوا كعادتهم أنوار غرفة الطعام، وجهزوا اتصالا بابنتى على اللاب توب لتكون معنا صوتا وصورة. رأيت ابنتى تجلس على حافة فراشها، ارتدت زيا مناسبا للاحتفال لتوحى إلينا أنها معنا، وسكنت ملامحها الطفولية فرحة غامرة ولوحت لى بيدها من على بعد آلاف الكيلومترات. وعندما اشتركت ابنتى مع الجميع فى غناء Happy Birthday To You أحسست أكثر من أى وقت مضى بغيابها وجرفنى حنين إليها لا يقاوم.. حنين لا يقاوم فعلا.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات