نهائي اليونسكو - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:26 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

نهائي اليونسكو

نشر فى : الخميس 1 أكتوبر 2009 - 9:33 ص | آخر تحديث : الخميس 1 أكتوبر 2009 - 9:33 ص

 عندما تتأمل تطور موقفها منذ بدأ الإعداد لترشيح مصرى لرئاسة اليونسكو قبل عامين وحتى إعلان النتائج النهائية قبل بضعة أيام، تشعر بالدهشة من نفسها وتكاد تشك أنها هى هى.

لأول وهلة تحمست للترشيح كما يمكن لأى مصرى أن يتحمس لوجود ابن بلده على رأس منظمة دولية من دون وهم أن يتصرف المرشح كمصرى وعربى لأن أول شروط الوظيفة الدولية أن يخلع الموظف انتماءه على باب المؤسسة الدولية.

نعم كانت لها ملاحظاتها على سياسة الوزارة التى بدت كأنها تنظر للثقافة بعين واحدة تبصر الماضى دون الحاضر، وكانت لها مآخذها على طاقم الوزارة الذى التقط بعض أفراده عدوى الفساد اللعين. لكنها بشوفينية مطلقة كانت تنتظر رئيسا مصريا لليونسكو، وإن ظلت تخشى أن يكون هذا الأمل بعيد المنال، فقد سبق أن جرب مرشح مصرى حظه مع هذا المنصب ولم يوفق.

وحين ثارت أزمة حرق الكتب اليهودية تغير مزاجها 180 درجة، كانت تعتبر أن رجلا يشتغل بالثقافة لا يجوز أن يستدرج للتهديد بحرق الكتب، وكانت تجد أن هذا التلويح هو الجدير بالاعتذار بغض النظر عن كون الكتب يهودية أو بوذية أو هندوسية، أما وقد اعتذر الوزير لليهود حصرا وبالغ فى هذا الاعتذار وزاد، فقد أفقده سلوكه مصداقيته فى تقديرها بعد أن تحولت القضية من شأن ثقافى إلى مشكلة مع دولة تدين لنا نحن العرب بالاعتذار منذ لحظة نشأتها. ولذلك لم تعد صاحبتنا تأبه لأخبار الوزير إياها أو تتابعها.

فما إذن اللحظة التى تغير فيها موقفها للمرة الثالثة فتملكتها مجددا حالة الشوفينية إياها وتمنت أن يصعد الوزير إلى سدة اليونسكو وابتسمت وهى تتخيل التليفزيون يمطرها بالأغنية الشهيرة «المصريين أهمه»؟ الأرجح أن هذه اللحظة ارتبطت بالجولة الأولى للتصويت عندما وجدت نفسها فجأة تصُف فى معسكر مرشح مصر رغم خلافها معه، تماما كما شجعت المنتخب الوطنى مرارا من دون أن تكون مولعة بالمستديرة الساحرة، فعندما تلعب مصر كرة أو سياسة يصعب عليها أن تقف على الحياد. هى فى هذا الموقف كما كان عادل إمام فى فيلم «الإرهابى» حين ضبط نفسه متلبسا بمعانقة مصطفى متولى الذى كان يمثل دور شخص مسيحى فى الفيلم. جمع الرجلين آن ذاك هدف سدده لاعبو المنتخب الوطنى فى شباك الخصم، ونسى تماما عادل إمام عنفه وتطرفه وانقشعت جهامته وفتح ذراعيه لمن كان يمكن أن يمطره بالرصاص فى موقف مختلف.

عندما أحبطتها النتائج المعلنة لجولة التصويت الخامسة كما أحبطت آخرين، راحت تبحث فى طوفان المادة الإعلامية التى غطت الحدث عن التفسير والدلالة. فى التفسير استبعدت رأيين متناقضين.

ذهب الرأى الأول إلى أن الهزيمة كانت جزاء وفاقا لتقلص الدور المصرى على الساحة الدولية بعد الساحة الإقليمية. فمع أنها مقتنعة كل الاقتناع بأن مكانة مصر الخارجية تراجعت فعلا نتيجة بدعة «مصر أولا» التى ابتدعناها منذ مطلع السبعينيات إلا أنها لا تعتبر معركة اليونسكو تحديدا من شواهد تراجع المكانة الدولية لمصر، وإلا لاعتبرنا أن تراجع أصوات المرشح الروسى من الجولة الأولى للجولة الثانية دليل على تدهور مكانة روسيا الدولية، واعتبرنا زيادة عدد أصوات المرشحة البلغارية من الجولة الثالثة حتى الخامسة دليلا على صعود دور بلغاريا، وهى الدولة الأوروبية الصغيرة على المستوى الدولى. إن الربط بين اتجاهات التصويت ومؤشرات قوة الدولة فى هذه الحالة بالذات بالتحديد لا يفيد بل ويؤدى لاستخلاص نتائج قد تكون غير دقيقة.

أما الرأى الثانى فقد مضى فى الاتجاه العكسى فبدلا من تحميل الدولة المسئولية كاملة عما جرى، فإنه أعفاها من كل مسئولية على أساس أن تربيطات اللحظات الأخيرة هى التى انتزعت للمرشحة البلغارية نقاط الفوز. صارت التربيطات مرادفة للتآمر ونسينا أن مانشيتات الصحف المصرية ظلت تتحدث طوال الجولات الخمس عن تربيطات الوفد المرافق للمرشح المصرى وعن دور وزير الخارجية فى متابعة مسار هذه التربيطات أولا بأول. هكذا عندما تنجح تربيطاتهم نصفهم بالتآمر وعندما نوفق فى تربيطاتنا نعتبرها مناورات انتخابية، وهذا كيل بمكيالين. نعيب على أوروبا أن تتوحد خلف مرشحتها ونستصدر من الجامعة العربية والاتحاد الأفريقى صكوك تأييد للمرشح المصرى. نتجاهل أنه عندما تكسب مرشحة بلغاريا ويخسر مرشح مصر، بعد أن استخدمنا أساليبهم نفسها، فإن هذا يعنى أنه كان ثمة خلل فى إدارة المرحلة الأخيرة من المعركة الانتخابية.

وفى النتائج نجد الدلالة المهمة لما جرى فى نهائى اليونسكو إنه عندما وضع المرشحان المصرى والبلغارية على المحك كانت نقاط القوة التى تتمتع بها المرشحة الثانية أكثر، فهى أولا امرأة وهذا اعتبار له وزنه فى المحافل الدولية، وهى ثانيا انتقلت من السلطة إلى المعارضة ككادر من كوادر الحزب الاشتراكى، وهى ثالثا صاحبة باع فى العمل باليونسكو، ثم إن خطابها الانتخابى لم يتلون ولا تأثرت مصداقيته، وهى أخيرا موضع ترحيب اللوبى اليهودى.

أما الدلالة الأهم فإن معركة اليونسكو كشفت عن تماسك فى الموقف العربى جدير بالبناء عليه، لا يقلل من أهمية ذلك أن بعض المواقف العربية من خارج المجلس التنفيذى كانت تعارض التصويت للمرشح المصرى، فالاختلاف على شخص مدير اليونسكو أقل أهمية بكثير من الاختلاف حول تكييف حرب صيف 2006 أو عدوان إسرائيل على غزة فى 2008 ــ 2009. فلعل آخر ما نحتاج إليه الآن هو أن نتلفت من حولنا بحثا عمن طعن من الخلف أو خان سواء من الدول العربية أو من الدول الأفريقية لنتحول بعد الحديث عن صراع شمال ــ جنوب إلى الحديث عن صراع جنوب ــ جنوب.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات