حديث المؤامرة فى واقعة أحمد الجيزاوى - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:35 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

حديث المؤامرة فى واقعة أحمد الجيزاوى

نشر فى : الخميس 3 مايو 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 3 مايو 2012 - 8:00 ص

اختصرت قضية أحمد محمد ثروت الشهير بأحمد الجيزاوى مجموعة مركبة من القضايا الشائكة فى العلاقات المصرية – السعودية. بعض تلك القضايا قديم - جديد كملف العمالة المصرية فى الخليج الذى كان لا يفتأ يُفتح بين الحين والآخر كلما طالعتنا أنباء عن انتهاك كرامة مصرى كما حدث مثلاً عندما تعرض طبيب للجلد بعد أن اتهم ناظراً سعودياً باغتصاب ابنه الصغير، أو عندما أقدمت وزيرة القوى العاملة السابقة عائشة عبد الهادى على توقيع مذكرة تفاهم من أجل تشغيل بناتنا وأخواتنا مربيات فى المنازل السعودية. أما البعض الآخر من القضايا فهو مرتبط بمرحلة ما بعد ثورة يناير، و يدخل فيه الحديث عن تصدير الثورة المصرية للخليج وهذا المصطلح له تاريخ بالغ السوء فى الذاكرة السعودية منذ إطاحة شاه إيران عام 1979، ويزيد فى التخوف منه الانفراج النسبى الذى لاح فى العلاقات المصرية -الإيرانية فى مارس 2011. يدخل أيضاً فى تلك الفئة من القضايا العلاقة الخاصة بين الرئيس المصرى السابق والنظام السعودى على نحو قاد لتماه شبه تام بين السياستين المصرية والسعودية إقليمياً و دولياً، وأدى إلى ممارسة ضغوط سعودية لمحاولة العفو عن مبارك. والواقع أنه من دون مصارحة النفس بأن واقعة الجيزاوى كانت كاشفة للتوتر المكتوم فى العلاقات المصرية – السعودية ولم تكن هى السبب فى تأزمها، ستظل هذه العلاقات عرضة للتقلب وعدم الاستقرار. ففى مواجهة القول الخطير المنسوب لحازم أبو اسماعيل فى مقال لبينة الملحم بجريدة الرياض فى 24 أبريل الماضى عن «أن تحرير مكة أولى من تحرير فلسطين «، سنجد من يقول إن ما جرى أخيراً بين مصر والسعودية ليس أكثر من « زوبعة فى فنجان».

 

●●●

 

من يتابع بعض ردود الأفعال الشعبية على الجانبين المصرى والسعودى يدهشه استسلام الطرفين السريع لفكرة المؤامرة ومحاولة إسنادها بكم معتبر من الحجج والبراهين. فعلى الجانب المصرى راجت فكرة أن توقيف أحمد الجيزاوى فى مطار جدة ومنعه من أداء مناسك العمرة إنما جاء لتنفيذ حكم غيابى بجلده وسجنه بسبب عيبه فى « الذات الملكية « فى إحدى الفضائيات. وساعد على رواج هذه الفكرة نشاط الجيزاوى فى الدفاع عن المحتجزين فى السجون السعودية إلى حد اختصام السلطات المعنية فى قضية أمام محكمة جنوب القاهرة. فى الأصل لا تجد بعض النظم الملكية العربية غضاضة فى تحصين « الذات الملكية « بحصانات دستورية ترفع عنها المسئولية وتمنع التعرض لها. وهكذا نجد الدستور الأردنى ينص على أن « الملك هو رأس الدولة، وهو مصون من كل تبعة ومسئولية « (المادة 30 ). والدستور القطرى ينص على أن « الأمير هو رئيس الدولة. ذاته مصونة واحترامه واجب « (المادة 64). والدستور البحرينى ينص على أن « الملك هو رأس الدولة و الممثل الأسمى لها، ذاته مصونة لا تمس وهو الحامى الأمين للدين والوطن و رمز الوحدة الوطنية « (المادة 33).

 

وفيما يخص النظام الأساسى فى السعودية فإنه لا يتضمن نصاً مماثلاً للنصوص السابقة، لكن من المفهوم ضمناً أنه لا يتم التسامح مع أى شخص ينتقد حامل لقب « خادم الحرمين الشريفين». فإذا قلنا إن من أخص خصائص الشئون الداخلية لأى دولة تحديد المركز القانونى لرئيسها، فلماذا إذن ثار قطاع واسع من المصريين عند قيام السلطات السعودية بحماية الذات الملكية من العيب فيها؟ سبب الثورة هو معاقبة مواطن مصرى على فعل أتاه على أرض وطنه الذى يتمتع بالسيادة، وتسييس فريضة دينية وحرمان شخص مسلم من أدائها بغض النظر عن أى شئ. إن السلطات السعودية تستطع ألا تسمح للجيزاوى بالعمل فيها إن هو أراد لكن ليس من حقها أن تصده عن زيارة بيت الله الحرام متى توفرت لديه القدرة على زيارته. الفارق بين زيارة السعودية و زيارة أى دولة أخرى فى العالم، أن الأولى تتم ركناً من أركان الإسلام وكل ما عداها لا شأن له بالفرائض. وربما تذكر المصريون أن السعودية هى التى تتمسك دوماً بعدم تسييس فريضة الحج حتى لا يتحول إلى مناسبة لتصفية الحسابات السياسية بين ثلاثة مليون حاج يختلفون فى كل شئ إلا فى الدين. وأن الواقعة التى أدت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران عام 1988 كانت هى مظاهرات الحجاج الإيرانيين الدامية فى عام 1987 للمطالبة بالولاء والبراء.

 

واقعة العيب فى «الذات الملكية« تحولت بقدرة قادر إلى يقين عند قطاع واسع من المصريين ولم يفلح شئ فى تغييرها. وساعد على ذلك اللبس الشديد الذى أحاط لاحقاً بتفاصيل رواية ضبط الأقراص المخدرة مع الجيزاوى، والتصريحات المتضاربة للمسئولين فى مطار القاهرة و الخارجية المصرية، فجرى الاستسلام لسيناريو المؤامرة وانطلق رد الفعل الشعبى منفلتاً من كل قيد. من قُدر له أن يقرأ تويتات الشباب المصرى بعد واقعة الجيزاوى لا بد أنه ذٌهل من درجة القبح فى التعبير عن مشاعر الغضب. هل هناك علاقة بين الثورة والبذاءة ؟ ألا يوجد فى مصر الثورة مكان للغضب النبيل ؟ أترحم على رواد الحركة الطلابية فى السبعينيات ممن امتلكوا القدرة على الحشد الجماهيرى بكثير من الحماس ولا شئ من البذاءة. عموماً هذا ما آل إليه الحال وما تم تداوله على تويتر تكرر التعبير عنه بشكل أفدح عند مقر السفارة السعودية بالقاهرة.

 

 

لكن الانسياق وراء سيناريو المؤامرة لم يكن وقفاً على الجانب المصرى، فمن يعود لرد فعل الإعلام السعودى على واقعة الجيزاوى سيجده ينجرف إلى تنويعات مختلفة على السيناريو ذاته. فمن القول إن الجيزاوى تم اختياره بـ «خبرة وعناية فائقة» من أجل تسييس القضية وإفساد العلاقات المصرية –السعودية. إلى القول إن طهران و دمشق وراء تدبير الواقعة والتأثير على أطراف مصرية تبحث عن «التدفقات الدولارية» بدليل كثرة الزيارات الصحفية والإعلامية «المريبة» لطهران. إلى القول الطريف الذى حاول صاحبه كما ذكر أن يفكر « خارج الصندوق» فاعتبر أن الجيزاوى لجأ لحيلة ذكية للفت الأنظار إلى قضية المسجونين المصريين فى السعودية فجلب أقراصاً مخدرة و « تأخر فى النزول من الطائرة.... لإعطاء السلطات السعودية الوقت الكافى لكشف المخدرات «. الخيط الناظم إذن بين كل الأقوال السابقة أن ثمة مؤامرة متعمدة، أما الأطراف التى وقفت وراء هذه المؤامرة أو استفادت منها فلن تجد بينها رابطاً، ففيها حركات سياسية ليبرالية و « بعض الإخوان» و « المتطرف حازم أبو اسماعيل» (سبحان الله )! وإعلاميين ومرشحين للرئاسة وطبعا إيران وسوريا.

 

●●●

 

بعد أسبوع من اليوم وتحديداً فى 11 مايو المقبل سيتم أحمد الجيزاوى ثلاثين عاماً من عمره بالتمام والكمال، وهذا بالضبط هو عدد سنوات حكم مبارك التى شهدت تنسيقاً مصرياً- سعودياً رسمياً امتنع معه الكلام فى القضايا الخلافية فسكنت ولم تُحل. وبدون أن نعى الدرس العميق من واقعة الجيزاوى ونضع كل القضايا الشائكة على طاولة البحث، فسوف يعود الدبلوماسيون السعوديون إلى مصر وترجع السفارة والقنصليات السعودية لتفتح أبوابها، لكننا لن نتخلص من هواجسنا المتبادلة ولن نتحرر أبداً من سيناريو المؤامرة على علاقاتنا الثنائية.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات