الساعة تشير إلى السادسة مساءً، المغرب يقترب وحرارة الجو بدأت تنكسر أما نسبة الرطوبة فليس لها حل. أسوأ ما فى صيف بيروت هو تلك الرطوبة اللعينة، فما بالك إن كنت تتحدث عن شهر أغسطس، وقفت فى شارع الحمرا لأستقل تاكسيا إلى حى الفردان الذى ليس ببعيد، فى فصل الشتاء تصبح التمشية بين المكانين متعة حقيقية أما فى هذا التوقيت من العام فمحال.
لا مشكلة أبدا فى العثور على تاكسى فى كل شوارع بيروت، لا تحتاج حتى أن تٌبدى إشارة أو تلقى نظرة، فكلاكسات التاكسيات تطارد الوقوف وأصحاب الأحمال الثقيلة تعرض خدماتها وتقبل المساومة على قيمة التوصيلة. هذا فى العموم، أما فى الخصوص فإن الكساد السياحى فى لبنان أصاب المرافق وأصحاب الأعمال بخسائر فادحة. قاطع الخليجيون السفر إلى بيروت، وشغل باقى العرب بمشاكلهم الداخلية فلم تعد ست الدنيا قبلة الباحثين عن بهجة العيش الأوروبى بنكهة عربية محببة. وحدهم العراقيون لا يزالون يقصدون لبنان، أكثرهم للسياحة العلاجية، وحتى هؤلاء فإنهم قد يحتاجون إلى التفكير قبل اتخاذ قرارهم بالسفر للبنان، فإضافة إلى حرارة الصيف والرطوبة الخانقة فإن وقع التطورات السورية يلهب الجو السياسى فى بلد الأرز. توقفت أمامى سيارة مرسيدس بيضاء موديل قديم، لا أميز بين موديلات السيارات ولا أهتم بذلك. سألنى السائق من النافذة المفتوحة: تاكسى يا مدام؟ هززت رأسى بالإيجاب وركبت السيارة. النوافذ الأربعة المفتوحة كانت مؤشرا على عدم وجود مكيف بالتاكسى لكن لا بأس فالمشوار قصير والمعاناة لن تطول. من مسجل السيارة كان ينبعث صوت الست أم كلثوم منشدا قصيدتها الرائعة أغدا ألقاك؟. فى كل تاكسيات العواصم العربية دائما يوجد الفن المصرى بكل تنويعاته حتى منها ما يحول العلاقة بين الحبيبين إلى مباراة لشد الأطراف تؤذى الأذن وتوتر الأعصاب.
●●●
سامعة فى ها القصيدة؟ سألنى السائق مستفسرا فأجبته بالتأكيد، قلت له إننى من نفس جيله الذى لا يمل أبدا من تكرار المقاطع والأبيات فى أغنيات الست وقصائدها، وعندما تكون القصيدة من تلحين المبدع رياض السنباطى فإن منزلتها لا تبارى. قبل أن أتطوع للسائق بسرد بعض معلوماتى عن مؤلف القصيدة وهو الشاعر السودانى الهادى آدم، فاجأنى هو بخفض صوت المسجل ومضى ينشد وحده وبكل جوارحه أغدا ألقاك؟ توارى صوت الست إلى خلفية المشهد وعلا صوت صاحبنا بالغناء حتى وصل إلى البيت الذى يقول: هذه الدنيا كتاب أنت فيه الفكر، فبلغ منه الشجن مبلغا ولعله ما عاد يذكر أصلا أنه يجلس على مقود السيارة، توحد تماما مع الكلمات فصوته مريح للأذن وهو يعلم ذلك.
●●●
الأحاسيس الإنسانية معدية بطبيعتها، ولأنها كذلك استدرجنى شجن السائق فأنشدت معه البيت التالى من القصيدة: هذه الدنيا ليال أنت فيها القمر، رمقنى فى المرآة باستحسان واتسعت ابتسامته. مضينا هو وأنا نغنى، كل منا لديه واقع سياسى ضاغط يحاول أن يهرب منه بممارسة فعل لا سياسى، وهكذا جمعتنا القصيدة. وعندما توقفت السيارة أمام المركز التجارى الذى أقصده كنا قد أدركنا البيت الأخير من القصيدة: قد يكون الغيب حلوا إنما الحاضر الأحلى. مازحته بالقول: هل تظن فعلا أن الحاضر أحلى؟ رد على سؤالى بسؤال وليه لأ؟ مددت له يدى بالخمسة آلاف ليرة التى اتفقنا عليها فرفع حاجبيه كعادة اللبنانيين فى التعبير عن رفضهم شئ ما وقال: حسابك واصل يا مدام، نطقها هكذا و طار.