ابتسامة حسين - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 12:44 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

ابتسامة حسين

نشر فى : الإثنين 3 مارس 2014 - 5:40 ص | آخر تحديث : الإثنين 3 مارس 2014 - 5:40 ص

دفعت إيمان تلك المرأة الأربعينية التى كانت تزاحمها على الصعود إلى عربة السيدات فى المترو وكادت تلقى بها تحت عجلاته. يُفقد إيمان مشوارها اليومى للعمل ذهابا وإيابا أعصابها بل يكاد يفقدها إنسانيتها، حيث يتحول ركوب المترو إلى ما يشبه حرب الكل ضد الكل يكون البقاء فيها للأقوى. دلفت إلى داخل عربة السيدات وانقضت على الكرسى الوحيد الذى خلا بنزول صاحبته وداخلها شعور قوى بالنصر. الذين يتحدثون عن القوة الإيجابية للنساء، عليهم أن يزوروا مرة واحدة عربة السيدات فى المترو ليروا النصف الآخر من الكوب، فلا توجد زاوية واحدة للنظر. غمز ولمز، نظرات لكل فتاة مختلفة فى الزى أو الدين أو الرأى، أما العنف فحدث عنه ولا حرج، هكذا قالت إيمان فى داخلها.

•••

هدأت نفسها من جراء معركة ركوب المترو بعد حين فحانت منها التفاتة إلى الجهة المقابلة، وعندما فعلت تغيرت نظرتها للمشهد برمته. أمامها جلست امرأة شابة تختفى خلف السواد لا يظهر منها إلا وجهها، على عينيها نظارة طبية يلتف شريط لاصق على ذراعيها، ضامرة الجسد بشكل لافت وعلى ركبتيها طفل فى نحو الخامسة من عمره من ذلك النوع الذى يوصف بالمغولية. منذ أن وقع نظر إيمان على الأم وابنها لم يفارقهما حتى غادرا العربة قبلها بمحطة واحدة.

•••

راحت الأم تهمس فى أذنى ابنها بما لا يسمعه سواه فيلتفت إليها باسما ويواصل الاستماع. ترى ماذا كانت تقول له؟ أى عبقرية تتحلى بها هذه الأم البائسة تجعلها تخاطب ابنها بلغته فيفهمها؟ بالقطع لم تستشر طبيبا متخصصا ولا اطلعت على تجارب مشابهة، ومع ذلك هى قادرة على إضحاكه. تكررت هذه اللقطة عدة مرات وإيمان لا ترى فى العربة سوى هذا الكيان الإنسانى الملتحم فى حنان بلا مدى، وحين صدرت عن الطفل حركة مفاجئة فى اتجاه الجالسة فى المقعد المجاور، ارتفع صوت الأم لأول مرة قائلا «لا يا حسين»، هكذا عرفت اسمه.

•••

شعرت إيمان برغبة جارفة فى أن تكون جزءا من هذا المشهد الرائع، وتدخل على الخط فى علاقة الأم بابنها فلوحت لحسين بيدها ونجحت فى أن تجذب انتباهه. فى المرات التالية راح حسين يوزع ابتسامته الطيبة بين أمه وبين إيمان فشجعها هذا على أن تتقرب منه أكثر. غالبا هذه المرأة من فئة النساء اللاتى يوصفن بالمعيلات فتراها ماذا تفعل بحسين حين تذهب إلى عملها؟ فى مجتمع لا يقبل الاختلاف فى أى شىء كيف يمكن له أن يتقبل أمثال حسين؟ التقطت أذن إيمان جملة ساخرة من امرأة واقفة على بعد تعليقا على حبل الود الذى امتد بينها وبين الطفل المسكين: ربنا يهنيكم ببعض، وهكذا أجابت المرأة على السؤال الذى طرحته إيمان على نفسها للتو: هل يقبل المجتمع أمثال حسين؟

•••

تحولت إيمان فجأة إلى نمرة شرسة، تلبستها روح التحدى نفسها التى تملكت منها حين ركبت العربة وجعلتها تدفع المرأة التى تزاحمها وتصعد. التفتت إلى تلك الأخرى التى تندرت على إعاقة حسين وقالت بانفعال وصدق: حسين ليس معاقا بل أمثالك هم المعاقون. توتر الجو، وتلاسنت النساء لكن الأكثرية وقفت مع إيمان، سواء لأنهن انفعلن لانفعالها أو شعورا منهن بالحرج، أما حسين وأمه فقد اختفيا من العربة. نظرت إيمان فوجدت المقعد خاليا، هل جاءت محطة نزولهما فعلا أم تراهما هربا معا من مجتمع ظالم أهله؟ الله أعلم.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات