أشياء صغيرة للبهجة - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:18 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

أشياء صغيرة للبهجة

نشر فى : الإثنين 3 سبتمبر 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 3 سبتمبر 2012 - 8:00 ص

لم أتوقع أبدا أن ينتهى يوم العمل هذه النهاية السعيدة بعد سلسلة من المضايقات التافهة وربما حتى شديدة التفاهة لكنها لكثرتها كانت كافية لأن تقلب مزاجى من نقيض إلى نقيض. لا توجد علاقة ميكانيكية بين المؤثرات الخارجية والمشاعر الإنسانية ولا يوجد سبب مباشر بالضرورة للسعادة أو التعاسة. تلك الحقيقة كثيرا ما نضطر لتكرارها بل وحتى إلى أن نقسم على صحتها لمن يهمهم أمرنا فنؤكد لهم أنه لا حدث جسيما وقع وأننا لا ندارى عنهم أخبارنا السعيدة.لكن فى هذا اليوم بالذات عانيت من مضايقات كثيرة إلى حد الإملال. مينى باص يقوده سائق، نصف مخدَر وجاهز للاشتباك مع كل أحد، يصطدم بسيارتى صدمة خفيفة مرة ثم أخرى فلا أفتح فمى إنما أدعه يعبر أدعه يمر، لا يوجد وقت للاحتجاج فالطريق مزدحمة بما يكفى، والأهم أنه لا جدوى من الاحتجاج. طالب يتشاطر علىّ يلف ويدور ثم يتشجع ويسأل عن أهم الأجزاء فى امتحان دور سبتمبر، اكره امتهان المعرفة ولا أقبل اختزالها فى صيغة سؤال وجواب، لذلك قررت أن أبادل الطالب مناورته بمثلها وأتصرف بمنطق كلهم أبنائى قائلة : كل المقرر مهم. وأخيرا ها هى سلسلة المفاتيح الضخمة تختفى فجأة من شاشة ذاكرتى فلا أدرى أين ألقيت بها، وما أدراك ما اختفاء سلسة المفاتيح فى هذه الأيام الضنك.

 

●●●

 

أكثر المفاتيح التى أحملها لا قيمة لها، فبعضها يفتح أبوابا وهمية وبعضها الآخر لا أتذكر ماذا يفتح أصلا، ومن كل هذه الحفنة الكبيرة من المفاتيح لا تعنينى إلا ثلاثة للمنزل والمكتب والسيارة. رفع هذا الحدث الطارئ منسوب ضيقى إلى أقصاه، وتطوع أناس طيبون حولى لاقتراح الحلول المعتادة فى مثل هذه المواقف، لكن المشكلة أننى كنت أرفض الاستسلام لفكرة أن المفاتيح التى جئت بها للعمل لن تعود معى.

 

أفرغت جوف الحقيبة على المكتب وبعثرت محتوياتها فى كل اتجاه وأخذت أفتش. وبينما أنا كذلك إذا بتوكة حفيدتى أمينة تطل عليّ ببراءة من بين الأشياء المتناثرة فتنقذ ما تبقى لى من ساعات اليوم. مشبك أبيض صغير من الكتان مثبتة عليه شرائط ملتوية من الأخضر والأزرق والأصفر لونها المحبب، كانت تضعه فى شعرها الأشقر أو بالأحرى كانت تنزعه من شعرها لنثبته فيه فتعيد انتزاعه ونكرر تثبيته إلى ما لا نهاية. التقطت التوكة فسجلت شفتاى أول ابتسامة منذ الساعة الثامنة صباحا، تخيلتها أمامى فضخت فى شرايينى مشاعر بهجة إسفنجية امتصت على الفور كل ما عداها من مشاعر مضادة. كيف هى الآن ؟ ماذا تخرب ؟ أى طعام تصنع من فتافيته دائرة تحيط بها وهى تصر ألا يطعمها أحد ؟ هل تصالحت مع آدم صديقها المفضل فى الحضانة واستردت منه « سبونج بوب» ؟. من قال إن خريف العمر بلا بهجة لا يعرف كم من البهجة يختبئ فى ثنايا الأشياء الصغيرة. نسيت السائق والطالب والمفاتيح، وأعدت حاجاتى المبعثرة إلى الحقيبة، وحدها توكة أمينة ظلت على مكتبى تناجينى.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات