غاز ليس كالغاز - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:24 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

غاز ليس كالغاز

نشر فى : الإثنين 4 فبراير 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 4 فبراير 2013 - 8:00 ص

فى كل مرة تندلع فيها الاشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن يصبح ذهابى للعمل مغامرة غير محسوبة العاقبة، فمقر العمل فى حى جاردن سيتى على مرمى حجر من كل الشوارع التى حُفرت أسماؤها فى ذاكرة الثورة،  وسالت على أرضها دماء زكية لشباب كالورد تخطف القلوب قبل العيون صورهم المرسومة على لوحات الجرافيتى بحب واحتراف. قبل أن تتطور الأمور منذ يوم 25 يناير 2011،  لم يكن يسلم محيط العمل من مشاهد احتجاج شعبى كانت تنبئ أن فى الأفق البعيد شئ كبير سيقع،  لكن أقصى تلك المشاهد وأقساها على الأقل بالنسبة لى كان ذلك المشهد الموحى لموظفى الضرائب العقارية يبيتون ليلهم فى الشتاء القارس أمام مقر مجلس الوزراء، أمر عليهم وألحظ تحول لون الأغطية التى يختبئون فيها من الأبيض المترب إلى الرمادى إلى الأسود وهم لا ييأسون. كانت تدهشنى قدرة النظام على تطوير آليات اللامبالاة تجاه معاناة البشر، وكيف حَوّر قضية أمثال معتصمى مجلس الوزراء إلى مسألة تتعلق بالمظهر الخارجى لمؤسسات الدولة وسمعة مصر فى العالم. على أى حال بعض حمق السلطة كان مطلوبا للغضب وكثيره كان ضروريا لإشعال ثورة،  وقد كان. ومن هذا الحين صار مقر عملى جزءا من كل فعاليات محيط التحرير،  تعترضنى الحواجز وأسمع صافرات الإسعاف وتمر بى المظاهرات وأستنشق الغاز فلا أفرق بين أنواعه،  حتى كان ذلك اليوم.

 

 

 

•••

 

فى يوم 28 يناير 2013 جلس قبالتى طالبان ينتظران إنجاز معاملتيهما،  أحدهما مغربى والآخر فلسطينى. طلبت من كليهما إمهالى دقائق قليلة لأتُم خطابا أكتبه فجلسا يقطعان الوقت بحوار خافت. تحدث المغربى وهو من أمازيغ الصحراء الكبرى، تلك المنطقة المغربية التى لا ينتبه لقضيتها الشائكة أحد أو بالأحرى لا يريد أن ينتبه إليها أحد لأنها تُصنف ضمن الشئون الداخلية للدولة. تحدث هذا الشاب عن الغاز الذى استنشقه فى الطريق إلىّ وكيف أنه يختلف عن ذلك الذى اعتاد عليه فى كل المظاهرات التى شارك فيها كأحد أبناء شعب الصحراء، وكيف أن عديدا من الأشخاص خنقهم الغاز فسقطوا على أرض محطة مترو السادات المغلقة، أحياء لكن مغيبين. ورد عليه الشاب الفلسطينى بأنه على العكس يجد الغاز الذى يعبئ المكان ألطف كثيرا من ذلك الذى تستخدمه قوات الاحتلال الإسرائيلى ضد شعبنا فى الضفة الغربية، « غاز الصهاينة غير إشى»،  هكذا قال. اقتلعنى حوار الشابين مما أنا فيه،  ونظرت إليهما فرأيت مالم أره فى النظرة العابرة الأولى،  كان الشاب الأمازيغى يعلق فى رقبته كمامة واقية رقيقة الصنع أظنه لم يعرف أن هناك ما هو أقوى منها بكثير،  ولا هداه أحد إلى محل شهير لبيع كمامات واقية ممتازة فى حى الزمالك،  كانت عيناه حمروان فسألته: هل أنت بخير؟ ورد بالفرنسية: الآن نعم لكن فى المترو لم يكن هناك أوكسجين بالمرة. وتحولت إلى الشاب الفلسطينى فوجدته لا علق كمامة ولا تأثر بالغاز.

 

 

 

•••

 

 

أى شعور يتناب المصرى أو العربى وهو يستمع إلى تلك المقارنة ما بين غاز يستخدمه النظام فى بلده ضد المعارضين السياسيين، وغاز يستخدمه المحتل لبلد ليست بلده ضد السكان الأصليين؟ أى إحساس بالمهانة وأنت تحمد الله على أننا لم نصل بعد إلى مستوى جُرم إسرائيل فى حق أهلنا فى الضفة والقدس؟ أترك لك التعليق. أما أنا فظل الحوار التلقائى والعميق بين الشابين يدور فى أذنى كما تلف الأسطوانة المشروخة بلا توقف،  فمن ذا الذى كان يتصور أصلا أن يلجأ بوليس الرئيس « المدنى الشرعى المنتخب» لإطلاق قنابل غاز لتفريق المتظاهرين؟. أكيد لم يتصور أحد، لكنه حدث وكل ما أخشاه أن يأتى يوم آخر قريب تتعدل فيه صيغة حوار الطالبين،  بحيث يعلق الطالب الفلسطينى على زميله المغربى قائلا «الغاز اللى عَم نشمه بمَصرِ نفس الإشى بفلسطين».

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات