اقتصاد فى بكين.. سياسة فى طهران - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 12:12 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

اقتصاد فى بكين.. سياسة فى طهران

نشر فى : الخميس 6 سبتمبر 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 6 سبتمبر 2012 - 8:00 ص

ذهب الدكتور محمد مرسى إلى الصين وبرفقته وفد كبير ضم سبعة وزراء ونحو ثمانين رجل أعمال، وأسفرت الزيارة عن توقيع ثمان اتفاقيات فى مجالات مختلفة، كما تعهدت الحكومة الصينية بتقديم منحة لا ترد بقيمة سبعين مليون دولار وقرض من بنك التنمية الصينى للبنك الأهلى المصرى بقيمة مائتى مليون دولار. وفى كلمته أمام منتدى الأعمال المصرى الصينى ببكين أشاد الدكتور مرسى بالصين ذلك «البلد العظيم المستقر دولة وحكومة» الذى تتطلع مصر إلى التعاون الفعال والمثمر معه، كما أثنى على الصين التى فرضت نفسها على المجتمع الدولى وانتزعت مقعدا دائما فى مجلس الأمن، معتبرا هذه التجربة «تستحق التقدير» وجديرة بأن تنظر إليها مصر وتستفيد منها. كان هدف زيارة الصين إذن اقتصاديا بامتياز، لذلك عاد الوزراء « التكنوقراط» للقاهرة فور انتهاء الزيارة، وإن كان هذا لم يمنع من بعض السياسة فى مباحثات الرئيس المصرى مع نظيره الصينى حيث تطرق مرسى إلى أهمية انضمام كل من الصين ووروسيا لمبادرته رباعية الأطراف لحل الأزمة السورية، كما أشار إلى حرص مصر على ألا تؤثر السدود الأفريقية على نهر النيل على حصة مصر من المياه مع ما تردد عن أن الصين ستتولى التمويل.

 

أما الوفد المرافق للدكتور مرسى فى زيارة إيران فلم يُعرف عنه الكثير، وكانت الزيارة قصيرة تمثل هدفها الرئيس فى توصيل رسالة سياسية عبر كلمة مرسى فى افتتاح قمة عدم الانحياز. نعلم جميعا أن مرسى حَمَل بقوة على النظام السورى ووصفه بأنه «نظام قمعى فقد شرعيته»، ودعا إلى وقف نزيف الدم السورى المعلق برقابنا جميعا. هذا فيما يخص الشأن السياسى، أما فيما يتعلق بالعلاقات المصرية –الإيرانية فقد لخص الدكتور ياسر على مضمون مباحثات الرئيس المصرى مع نظيره الإيرانى فى أنها لم تتطرق لملف العلاقات الثنائية بين البلدين أو إلى رفع مستوى التمثيل الدبلوماسى. وأضاف على فى تصريحاته التى نشرتها المصرى اليوم فى 1/9 الماضى إلى أن مرسى ذَكَرّ نجاد بمناصرة الشعوب العربية للشعب الإيرانى عندما ضربه الشاه بالدبابات فى عام 1979، يريد بذلك أن يقول كما نفهم إن الأسد يفعل ما هو أنكى بالشعب السورى وبالتالى يجب «احترام رغبة الشعوب فى التغيير».

 

●●●

 

قال مرسى إذن بعبارات واضحة وقوية وصريحة فى طهران ما لم يقله فى بكين حيث اكتفى فى الأخيرة بالإشارة لمبادرته، فلماذا؟ نعلم أن إيران داعم رئيس لنظام بشار الأسد سياسيا ودبلوماسيا والأرجح عسكريا أيضا. لكننا نعلم أيضا أن الصين أقدمت خلال عشرة شهور (من أكتوبر 2011 وحتى يوليو 2012) على استخدام حق الفيتو لمنع إصدار قرار من مجلس الأمن ضد نظام بشار فيما لم تلجأ على مدار واحد وأربعين عاما، أى منذ شغلت مقعد الصين فى مجلس الأمن عام1971، لم تلجأ لاستخدام هذا الحق إلا ثلاث عشرة مرة فقط كما رصد وليد أبو مرشد فى جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 9/2/2012. وإذا قيل إن مرسى كان ضد محاولة توظيف مجلس الأمن لتمرير قرار بالتدخل العسكرى فى سوريا كما حدث فى ليبيا، فالرد هو أن كل عربى حريص على مصلحة سوريا وشعبها يرفض يقينا التدخل العسكرى الغربى الذى لن يخدم إلا مصلحة القائمين به. لكن ما بال الصين قد عارضت مشروع القرار الذى تقدمت به المجموعة الأوروبية فى 4 أكتوبر 2011 وكان يتضمن فرض إجراءات عقابية على نظام بشار دون إشارة للفصل السابع ولم يكن الجيش السورى الحر آنذاك إلا محدود النشاط والنطاق كى لا نتحدث عن عنف للنظام مقابل عنف للجيش الحر ؟ إن إيران بكل أوراقها فى العراق ولبنان وفلسطين ما كان يمكنها أن تفعل إلا إشعال الحرائق فى تلك الدول لتأمين ظهر بشار إن احتاج من إيران أن تفعل ذلك، أما الصين فمثلها مثل روسيا قادرة على شل الموقف الدولى من نظام بشار، وهذا غير ذاك.

 

أكثر من ذلك كانت المفارقة أن يثنى الدكتور مرسى فى خطابه أمام منتدى الأعمال فى بكين على « البلد العظيم المستقر دولة وحكومة « ، ولا يخفى على أحد بأى ثمن تحقق الاستقرار وأحداث ميدان السلام السماوى فى عام 1989 التى راح ضحيتها الآلاف ليست بعيدة عن الأذهان. هذا فى حين راح مرسى يذكر نجاد كما قلت بالتضامن مع الشعب الإيرانى ضد قمع الشاه، فأى اختلاف بين ما حدث فى إيران عام 1979 وما تكرر فى الصين عام 1989 إلا أن ثورة الميدان السماوى وئدت فى مهدها؟

 

●●●

 

اختار الدكتور مرسى إذن هذه الإدانة القوية للنظام السورى فى طهران وليس فى بكين، وذلك أن خطابه فى إيران كان موجها للداخل وتحديدا للتيارات السلفية التى كانت تتحفظ على زيارة طهران دع عنك تطوير العلاقات الدبلوماسية معها. وبالتالى فإنه عندما يدين قمع بشار فإنه يدين ذلك النظام العلوى الذى ينتمى إلى المذهب الشيعى كما هى إيران، وهذا يرضى السلفيين فى الداخل. لكن هذه الإدانة القوية لا محل لها فى الصين لأنه لا مشكلة حتى الآن للتيارات السلفية مع الصين على الأقل حتى يتبين لها يوما أنه يوجد تبشير بالبوذية على أرض الكنانة. ولذلك جاء التركيز على الاقتصاد، وتم صرف الوزراء « التكنوقراط» وكأنه لا أفق للتعاون الاقتصادى مع إيران. لكن لأن مصر وإيران لا تريدان لخطاب مرسى فى قمة عدم الانحياز أن يتحول إلى مصدر لتصعيد دبلوماسى مزعج ابتلعت مصر بسماحة مدهشة تغيير لفظ سوريا إلى البحرين فى ترجمة خطاب مرسى، وواصل نجاد فى مباحثاته مع مرسى عرض خدماته التكنولوجية على مصر. وحتى إشعار آخر تبقى علاقات البلدين دون التطبيع الكامل لكن أيضا دون المواجهة وهذا حل يرضى جميع الأطراف.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات