من تأميم القناة إلى تأميم الوطن - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:32 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

من تأميم القناة إلى تأميم الوطن

نشر فى : الخميس 6 ديسمبر 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 6 ديسمبر 2012 - 8:00 ص

فى 26 يوليو 1956 وقف الزعيم جمال عبد الناصر فى ميدان المنشية بالإسكندرية ليلقى خطابه الأشهر بمناسبة مرور أربعة أعوام على قيام ثورة يوليو. كان الحضور هم أعضاء مجلس قيادة الثورة والوزراء وجموع غفيرة من الشعب المصرى العادى قرة عين ناصر وقميصه الواقى. كعادته خاطب عبد الناصر المصريين قائلاً « أيها المواطنون»، واستعرض فى خطابه تطور معركة مصر مع قوى الاستعمار العالمى، حتى إذا وصل للقول إنه تخيل وهو جالس إلى مستر بلاك مدير البنك الدولى لبحث تمويل السد العالى، كما لو أنه كان فرديناند ديليسبس، انطلقت أربع مجموعات من رجال القوات المسلحة لمحاصرة مقار شركة قناة السويس فى الإسماعيلية وبورسعيد والسويس والقاهرة تنفيذاً لقرار رئيس الجمهورية بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس شركة مساهمة مصرية. أصاب الحضور مَسُ من جنون وتركهم القرار المفاجأة بين شك ويقين، وقاطع ناصر تصفيق حاد فالقرار أخضع القناة للسيادة المصرية، وأنهى وضع الشركة الفرنسية الذى جعل منها دولة داخل الدولة، ورد الاعتبار لذكرى 120 ألف عامل مصرى قضوا فى أعمال السخرة وشق القناة.

 

•••

 

ما أبعد اليوم عن البارحة ففى 1 ديسمبر 2012 وقف الدكتور محمد مرسى فى قاعة المؤتمرات بالقاهرة ليلقى خطاباً احتفالياً بمناسبة تسلم مشروع الدستور المصرى الجديد. كان الحضور هم أعضاء الجمعية التأسيسية والوزراء والنواب وبعض الشخصيات العامة، وغاب الشعب عن محيط الرئيس مع أنه أشار إليه نحو 20 مرة فى خطابه القصير. فور انتهاء مرسى من خطابه انطلقت فئات من أهله وعشيرته من نقطة تجمعهم أمام جامعة القاهرة واتجهوا إلى محاصرة المحكمة الدستورية العليا على كورنيش المعادى، وقد كان الهدف هو منعها من نظر دعويين لحل الشورى والتأسيسية فى اليوم التالى. بين 26 يوليو 1956 و 1 ديسمبر 2012 عنصر تشابه وحيد هو أن الخطاب الرئاسى فى الحالتين تلاه تحرك لتنفيذ هدف محدد بواسطة مجموعات من الأفراد، أما عناصر الاختلاف بين المشهدين فعظيمة. حاضن شعبى لعبد الناصر مقابل حضور رسمى أحاط بمرسى، خطاب فى الهواء الطلق لناصر مقابل آخر معلب فى قاعة مكيفة لمرسى، حصار لمعاقل النفوذ الأجنبى لتصفيتها وتحرير السيادة الوطنية فى عهد عبد الناصر مقابل حصار صرح قضائى عتيد فى عهد مرسى ودوس بالأقدام على مبدأ استقلال القضاء مع تعالى هتاف» لا إله إلا الله حرر مصر من القضاة «وشتان ما بين تحرير وتحرير، التفاف مصرى وعربى ومن كل دول العالم الثالث حول عبد الناصر واهتمام بمحاكاة نموذجه فى تحدى الإرادة الاستعمارية مقابل انقسام مصرى غير مسبوق فى عهد مرسى ودهشة عربية ودولية من تلازم النقيضين : الانتهاء من وضع مشروع الدستور والحصار للمحكمة المناط بها حماية هذا الدستور. وكما ظل تأميم القناة محفوراً فى التاريخ المصرى الحديث، كذلك سيخلد حصار المحكمة الدستورية العليا الذى وصف أحد المنسوبين للتيار الدينى مقترفيه بأنهم «أبطال» !.

 

•••

 

فى عام 1956 تم تتويج ناصر زعيماً للأمة العربية وارتفع إلى أعلى ذُرى التقدير لكنه ظل بشراً، مرسى أمره مختلف، هو نبى، هو حفيد عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، وخامس الخلفاء الراشدين، هو خليفة المسلمين، وهو المعصوم من الخطأ والعياذ بالله. ولأنه كذلك فإنه حين يرى مشروع الدستور آية من آيات الإعجاز فى الشكل والمضمون، فلا بد أن ما يراه هو الحق المطلق، ولا شك أن المحكمة التى تتربص بالجمعية التأسيسية حكمها باطل بطلاناً مبيناً قبل حتى أن يصدر، ولذلك فإن حصارها زلفى إلى الله وإذلالها مخرج صدق لكل مؤمن غيور على دينه وشريعته. عذراً سيادة الرئيس وصفت فى خطابك يوم 1 ديسمبر مشروع الدستور بما ليس فيه، فانبرى أهلك وعشيرتك للدفاع عنه وحمايته. قلت إن مواد الدستور تساوى بين الجميع دون تمييز بسبب المعتقد أو النوع، بينما أن المادة 33 من دستورك أسقطت ولأول مرة منذ عام 1923 معايير التمييز بين المواطنين وهى معايير الجنس والأصل واللغة والدين والعقيدة.

 

•••

 

قلت إن رئيس الجمهورية لا يستطيع حل البرلمان إلا باستفتاء، وهذا غير صحيح لأن المادة 139 من دستورك تعطيك الحق فى حل مجلس النواب دون استفتاء إذا رفض المجلس منح ثقته للحكومة ثلاث مرات متتالية. قلت إن الدستور ينتصر لحرية الصحافة والطباعة والنشر وإصدار الصحف، وأنت تعلم مدى شراسة المعركة التى دارت داخل الجمعية التأسيسية بسبب رفض الأغلبية إلغاء عقوبة حبس الصحفيين حتى انتهى الأمر لما خرجت عليه المادتان 48 و 49 من الدستور. قلت إن أطياف الجماعة الوطنية المصرية فى جميع ربوع مصر وخارجها أُخذت آراؤهم وتم تضمينها فى الدستور، ولا يدرى المرء عن أى تضمين تتحدث إذا كانت الجمعية قد ضاقت فى آخر أيامها بكل من لا ينتمى للتيار الدينى على نحو يجعل الدستور المطروح للاستفتاء منسوباً للجماعة لا لمصر. قلت إن مصر فخورة بأجواء الحرية والشفافية التى مارست فيها الجمعية مهامها، وتعرف فى قرارة نفسك كما يعرف الكافة أن الفضيلة الكبرى الغائبة عن عمل هذه الجمعية هى الشفافية. وقلت إن أعضاء الجمعية أبلوا بلاء حسناً فى صياغة مشروع الدستور وإنضاج مواده، وأعجب من الحديث عن النضج وقد سابق الأعضاء الزمن ووصلوا الليل بالنهار للتصويت على 236 مادة فى بضعة أيام حتى إذا ما تراءى لبعضهم أن يعارضوا حذرهم رئيس الجمعية من مغبة تأجيل التصويت.

 

•••

 

قلت كلاماً جميلاً كثيراً يا دكتور مرسى فى وصف دستور ليس بالقطع هو ذلك الذى تسلمته بيمينك، لكنك مصدق فى كل حال، ولأنك كذلك زحف رجالك نحو المحكمة لحماية دستورهم من ظلم قضاتها، ورفعوا عاليا لافتات نعم للدستور الجديد من دون أن يقرأوا حرفاً أو مادة من مواده، وذلك ببساطة شديدة لأن النعم هى لك أنت وليست للدستور. لم تزجرهم أو تعاتبهم أو تراجعهم، ولا استدعى منك هذا الحدث الجلل خطاباً إلى الأمة أو مجرد اعتذار لقضاة مصر الذين دعوتهم فى خطابك بكل اعتزاز للإشراف على استفتاء الدستور.

 

مضى ستة وخمسون عاماً منذ خطاب المنشية وحتى خطاب قاعة المؤتمرات، وجرت مياه كثيرة من تحت الجسور فيما بين هذين التاريخين، وانقضى حتى إشعار آخر عهد تأميم المصالح الأجنبية بالدخول فى عصر تأميم الوطن لخدمة مصلحة الجماعة ورئيسها، مع أن الثورة كانت حاضرة فى خلفية المشهدين!

 

 

 

أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات